الرئيسيةالمقالات

مستقبل المواجهة من “طاولة الحرب” إلى “طاولة المساومة” – تحليل مُنَقَّط لنتائج الاستشراف

مستقبل المواجهة
من “طاولة الحرب” إلى “طاولة المساومة” – تحليل مُنَقَّط لنتائج الاستشراف

علاء الطائي

تمهيد
قبل الدخول في التحليل المحدث نشير إلى أن الفرضية الحاكمة التي بنينا عليها استقراءنا قبل شهرين وقلنا إن ترامب “رجل صفقات لا رجل حروب” وإن عقليته التجارية ستقوده حتماً نحو مربع الضغط الأقصى ليس للحرب بل لانتزاع صفقة… وما حدث عملياً على أرض الواقع يُثبت ذلك.
١. تم تجنب الحرب الشاملة.
رغم كل التصعيد لم نرَ “الضربة القاضية” أو التوسع الكارثي.
٢. تم الانتقال إلى طاولة المفاوضات.
وهذا هو مربع “الصفقة” الذي توقعناه.
٣. برزت عقلية “التاجر” بوضوح. من خلال إعادة ترتيب أولويات الملفات التفاوضية وهو ما سنفصله أدناه.
هذا يمنحنا أرضية صلبة لإعادة تقييم السيناريوهات وتحديثها بثقة أكبر.
– أولاً
المتغير الجوهري الجديد – إعادة ترتيب أولويات الملفات
التحول الاستراتيجي الأهم هو أن أولوية الملفات على طاولة المفاوضات قد انعكست
· قبل شهرين كانت الأولوية الغربية هي (١) النووي ثم (٢) الباليستي ثم (٣) النفوذ الإقليمي (محور الإسناد).
· اليوم ملف أمن الملاحة والمضائق “هرمز وباب المندب” أصبح رقم ١ والمدخل الإلزامي لأي حديث عن الملفات الأخرى.. هذا ليس تفصيلاً بل متغير جوهري يكشف استراتيجية كل طرف.
ثانياً.
تفكيك المصطلحات – “الهدنة” الأمريكية مقابل “وقف إطلاق النار” الإيراني
الانقسام حول المسمى ليس لغوياً بل يعكس رؤيتين مختلفتين للعالم
أولاً.. “الهدنة” كرواية أمريكية “Truce-Pause” – عقلية ترامب التجارية
١. الهدف تكتيكي بحت.
يريد ترامب “تجميداً مؤقتاً للخصومة” يمنحه مكاسب سريعة وقابلة للاستثمار سياسياً.
٢. حصاد الإنجاز.
ليعلن أمام ناخبيه أنه حمى الملاحة الدولية وثبّت أسعار الطاقة بصفقاته دون تورط في حرب.
٣. التفرغ للصين.
الهدنة بمثابة “مسكن ألم” استراتيجي في الشرق الأوسط ليُطلق يده في مواجهة التحدي الأكبر الصين في المحيط الهادئ.
٤. غير ملزمة وقابلة للكسر.
هي في عقليته ليست معاهدة دائمة بل أداة ضغط مرحلية يمكنه التراجع عنها متى شاء تماماً كما مزّق الاتفاق النووي السابق.
ثانياً.. “وقف إطلاق النار” كمطلب إيراني”Ceasefire” – العقلية الاستراتيجية للدولة
١. تحقيق الندية.
مصطلح “وقف إطلاق النار” يُضفي صفة الند للند بين متحاربين لا طرف يطلب هدنة من طرف أعلى.. هذا مكسب سياسي ومعنوي كبير.
٢. مدخل لا نهاية.
بالنسبة لإيران هو ليس الهدف النهائي بل الشرط المسبق لأي مفاوضات جادة ومستدامة.
إنه مرتكز أساسي يضمن الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها.
٣. تأطير مُلزِم.
بعد تجربة انسحاب ترامب من الاتفاق السابق تسعى طهران لتأطير أي تفاهم جديد في إطار أكثر ثباتاً ويصعب على الإدارات المتعاقبة نقضه بجرة قلم.
ثالثاً .
السيناريوهات المُعاد تعريفها – من الحرب إلى التفاوض
بناءً على المتغير الجديد نستبدل سيناريوهين “الانكفاء والتوسع” جديدين أكثر واقعية.
.السيناريو المُرَجَّح.
“صفقة المُساومة المُجَزَّأَة”
هذا هو التطبيق العملي لعقلية “ترامب التاجر” وهو المسار الأكثر توافقاً مع المعطيات.. يقوم على مبدأ تجزئة المشكلة إلى صفقات صغيرة ومتسلسلة
١. المرحلة الأولى.
بناء الثقة عبر المضائق “ما يحدث الآن”
· العرض الإيراني.
تعهدات أو تفاهمات غير معلنة عبر وسطاء “مثل عُمان وإسلام آباد” بعدم استهداف أو إغلاق الممرات المائية.
· المقابل الأمريكي.
تجميد التصعيد العسكري وتخفيف محدود ودقيق للعقوبات “مثل الإفراج عن أرصدة مجمدة لأغراض إنسانية” مما يمنح طهران متنفساً اقتصادياً مؤقتاً.
· النتيجة الفورية.
خلق “فقاعة أمان” هشة تضمن تدفق النفط وتهدئة الأسواق العالمية.
٢. المرحلة الثانية.
الملفات الأعمق “الباليستي والنفوذ الإقليمي”
· المطلب الأمريكي.
الانتقال من أمن الملاحة إلى تفكيك أو إعادة هيكلة شبكة الوكلاء الإقليميين وتقييد البرنامج الصاروخي.
· المقابل الإيراني المحتمل. التفاوض على صيغ لإدارة النفوذ الإقليمي وليس إنهائه مقابل وعود تخفيف كبير للعقوبات النفطية والمصرفية.
· النتيجة.
حالة من “اللاحرب واللاسلم” المُنظم والمستدام مفاوضات شاقة وممتدة وتنازلات متبادلة دون حلول جذرية تُرضي الجميع.
.السيناريو المُحتمل.
“فشل المسار وعودة الضربة المحدودة”
١. السيناريو.
إذا شعرت واشنطن بأن إيران تستخدم ملف المضيق لشراء الوقت والمماطلة دون نية حقيقية للانتقال للمرحلة الثانية.
٢. الآلية.
العودة إلى الضغط الأقصى ليس بحرب شاملة بل بـ “ضربة جراحية محدودة” لإظهار العضلات وإجبار طهران على تقديم تنازلات حقيقية.
٣. الخطر.
هذا السيناريو هو الأخطر لأنه يحمل بذور الانزلاق غير المحسوب نحو حرب واسعة لا يريدها أحد.

-رابعاً.
استشراف نتائج النزاع المفترض أو المضي بالهدنة “بناءً على السيناريوهين”

أ. نتائج المضي بـ “هدنة المساومة المُجزأة” السيناريو الأرجح.
١. إيران.
مكاسب استراتيجية وتحديات مستمرة
· المكاسب.
· كسر العزلة الدولية.
تثبت أنها طرف لا غنى عنه لأمن الطاقة العالمي.
· إفشال “الضغط الأقصى”. تنتقل من مربع العقاب إلى مربع المساومة دون حرب.
· الإبقاء على أوراق القوة. تحتفظ بجوهر قدراتها النووية والصاروخية كورقة للمستقبل.
· التحديات.
· سيف العقوبات.
يبقى مسلطاً مما يعني استمرار الأزمة الاقتصادية الداخلية والضغط الشعبي.
· ضغط على النفوذ.
مطالبة بتقديم تنازلات في ملف وكلائها الإقليميين وهو خط أحمر بالنسبة لها.
٢. أمريكا.
مكاسب تكتيكية ومخاطر سياسية

· المكاسب.
· تجنب الكارثة.
تفادي حرب مكلفة في عام انتخابي وضمان تدفق النفط واستقرار الأسعار.
· التفرغ الاستراتيجي.
التحرر النسبي من الشرق الأوسط للتفرغ لمنافسة الصين التهديد الوجودي الأكبر.
· تسويق “النصر”.
تمكين ترامب من إعلان أنه روّض إيران وضمن أمن الطاقة دون حرب.
· التحديات.
· غضب إسرائيل.
تعتبر أي تفاهم مع إيران خيانة استراتيجية وتهديداً وجودياً.
· انتقادات الصقور.
اتهام ترامب بالتراجع وضعف الموقف من قبل المحافظين الجدد.
٣. دول الخليج.
تأكيد المسار البراغماتي الجديد
· الدرس المستفاد.
رؤية أن واشنطن تساوم على أمن الخليج الحيوي دون تنسيق مطلق تدفع للاستنتاج بأن “الضامن الأمريكي” لم يعد مطلقاً.
· الاستراتيجية الجديدة.
· تعزيز الردع الذاتي.
سباق تسلح نوعي وبناء منظومات دفاعية مستقلة.
· تنويع الشراكات.
الانفتاح بقوة على الصين وروسيا والهند ليس للتخلي عن أمريكا بل لإنشاء “شبكة أمان” استراتيجية مما يعزز التعددية القطبية.

٤. القوى الكبرى المتربصة. استمرار الصيد في المياه العكرة
· الصين “المستفيد الصامت”. تحصل على تدفق آمن ومستقر للنفط بأسعار معقولة لتغذية اقتصادها بينما تنشغل أمريكا بإدارة هدنة هشة وتفاصيلها المملة. تواصل بسط نفوذها الاقتصادي كشريك مستقر.
· روسيا “المستفيد الدائم”.
أي توتر حتى لو كان منخفضاً يُبقي على علاوة مخاطر في أسعار النفط تملأ خزائنها لتمويل حربها في أوكرانيا وتظل اللاعب القادر على الحديث مع طهران.

ب. نتائج فشل الهدنة والانزلاق إلى النزاع المفترض “السيناريو الأسوأ”.
سيناريو الفشل سيكون تطبيقاً لما أسميناه سابقاً بـ”الضربة القاضية” ولكن بنكهة أسوأ لأنه سينطلق من نقطة انهيار ثقة واتهامات بالخيانة.
١. النتيجة الكارثية على الجميع.
· لا غالب ولا مغلوب.
لن يكون هناك منتصر بالمعنى التقليدي.
· انهيار اقتصادي عالمي فوري. ارتفاع جنوني لأسعار النفط يتجاوز مستويات قياسية مما يُدخل العالم في ركود تضخمي.
· دمار إقليمي شامل.
تحويل دول الخليج إلى ساحة حرب وتدمير منشآت النفط والتحلية وتكلفة إعادة إعمار لعقود.
· إعادة تشكيل فوضوية.
انهيار سريع للنظام الدولي الحالي ليس نحو تعددية منظمة بل نحو فوضى عارمة تتقاتل فيها القوى على الأنقاض لتتصدر الصين المشهد كقوة عظمى وحيدة لم تنهِكها حرب مباشرة.
.الخلاصة النهائية.
“عالم المُساومات الكبرى”
بناءً على كل ما سبق نخلص إلى أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية شاملة ولا نحو سلام دائم.
إنه يتجه نحو ما يمكن تسميته بدقة “عالم المُساومات الكبرى” .
١. آلية الحل الجديدة.
لن تُحل الأزمات الكبرى بالحسم العسكري بل بـ صفقات مجزأة وهدن مؤقتة ومحسوبة تُدار فيها المخاطر بدلاً من إنهائها.
٢. بوصلة المستقبل.
ستستمر بوصلة الأحد بعد القادم في الإشارة إلى طاولة المفاوضات لا إلى ساحة المعركة الشاملة.
لكنها طاولة تعلوها أشباح الحرب الدائمة وسوء التقدير.
٣. ثمن الاستقرار.
الازدهار الداخلي الذي يبحث عنه ترامب وأمن الطاقة الذي يصبو إليه العالم سيظلان رهينتين لتوازن الرعب الهش في مضيق هرمز تُدفع أثمانها تفاهمات الظل لا بالاتفاقيات المعلنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار