التقاريرالرئيسية

خديعة التكليف وهندسة الزيف: براءة شعب ومؤامرة منظومة

خديعة التكليف وهندسة الزيف: براءة شعب ومؤامرة منظومة

​بقلم / عدنان صگر الخليفة

رئيس إتحاد القبائل العراقية
المشرف العام لتجمع اهل العراق

​مع كل مخاض سياسي تشهده الساحة العراقية، تعود ماكينة التضليل الإعلامي لتعمل بأقصى طاقتها، حيث يتبارى جيش من المدونين والإعلاميين في بيع الأوهام للشعب العراقي، مروجين لتكليفات حكومية جديدة وكأنها بوابات للإصلاح أو خروج عن التبعية، بينما تؤكد القراءة الموضوعية للمقدمات أننا أمام فخ سياسي جديد صممته نفس المنظومة التي أهلكت الحرث والنسل منذ عام 2003. إن الحديث عن استقلالية أي مكلف يخرج من رحم الصفقات الإقليمية والدولية وتفاهمات “الغرف المظلمة” هو كذب بنسبة مئة بالمئة، فالمعادلة السياسية في العراق لم تعد تُحسم بصناديق الاقتراع بل بطاولات “التسوية” التي تحول رئيس الحكومة من قائد لسيادة دولة إلى مجرد لاعب وظيفي في ملعب الكبار، مهمته الأساسية هي موازنة المصالح الخارجية وضمان تدفق المغانم والامتيازات للقوى التي وضعته في منصبه.
​ويتجلى قبح هذه المرحلة في الانتقال من “المحاصصة الحزبية” التقليدية إلى “الخصخصة الكارتيلية” التي تدمج بين السلطة التنفيذية ورأس المال المشبوه، فعندما يكون المكلف قطباً اقتصادياً يمتلك إمبراطورية مالية تضم مصارف معاقبة دولياً وشركات تجهيز مشبوهة تسيطر على قوت العراقيين وسلتهم الغذائية، فنحن هنا أمام “تضارب مصالح” بنيوي يحول الدولة إلى ضيعة خاصة، ويجعل من شعار “مكافحة الفساد” مجرد نكتة سمجة، إذ لا يمكن لخصم الشعب وشريك الأحزاب في أرزاقهم أن يكون حكماً عادلاً أو مصلحاً وطنياً. إن هذا الاندماج بين “الدولار والسلطة” هو التكتيك الجديد الذي اتبعته الأحزاب لضمان بقائها، مستخدمة المكلف كـ “مصد” و”عبوة ناسفة” مؤجلة الانفجار، تمنحه التأييد المطلق في البداية لامتصاص الغضب الشعبي، ثم تنقلب عليه قبل كل استحقاق انتخابي لتمارس دور المعارضة وتلقي عليه تبعات فشلها، لتضمن لنفسها مقعداً في الدورة القادمة بذات الوجوه والسياسات.
​وفي خضم هذا المشهد القاتم، لا بد من وقفة إنصاف وتبرئة مطلقة للشعب العراقي مما يحاول المأجورون إلصاقه به من تهم “الخنوع” أو “الجبن” أو “فشل الاختيار”، فالحقيقة المجرّدة هي أن الشعب العراقي يواجه حصاراً شاملاً وتكالباً عالمياً وإقليمياً غير مسبوق؛ إذ كيف لشعب أن ينتج خياراً وطنياً وهو محاصر بين فكي السلاح المنفلت والمال السياسي الفاسد، وتحت وطأة إعلام مسلط وقمع منهجي يطال كل صوت حر؟ إن ما يواجهه العراقيون هو “إبادة للوعي” عبر تجهيل متعمد وضرب للمنظومات التربوية والثقافية والمهنية، لجعل المواطن أسيراً لدوامة العوز ومحروباً من أدوات التغيير الحقيقية. إن مخرجات السلطة لا تمثل إرادة العراقيين بل تمثل إرادة المهندسين الذين صادروا القرار الوطني، والذين يكشفون اليوم بزيفهم العالمي والإقليمي أنهم شركاء في إبقاء العراق ساحة مقايضة ومصدراً لتمويل أجنداتهم، دون أدنى اعتبار لحياة المواطن أو سيادة الوطن. إن كل من ينفخ في “قربة الإصلاح” المزعوم مع هذه الحكومة إنما ينفخ في قربة مثقوبة، فالسلطة التي لا تقوم إلا على المال الفاسد والتبعية المطلقة لا يمكن أن تنتج إلا مزيداً من التمزيق، والعراق لن يتعافى بتبديل مدراء فروع شركة الفساد، بل بكسر المختبر الذي ينتج هذه المسرحيات الهزيلة وعودة القرار لشعب برأته التضحيات وأدانته مؤامرات الكبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار