إعادة التفكير في مسألة نزع سلاح الشعوب وتحولات أدوات السيطرة
بين تزييف الخطاب وضرورات الحق في الدفاع المشروع
مجتبى نيكيان شفتي
من أكثر المفارقات إيلامًا في عالمنا المعاصر، أن تُوسَم بعض المناطق التي تُرتكب فيها أبشع المجازر بأنها «مناطق إنسانية». هذه التسمية التي تبدو للوهلة الأولى إنقاذية، ليست سوى قناع زائف يُخفي وراءه مشروعًا منهجيًا لتجريد الشعوب من أدواتها الدفاعية وإعادة صياغة واقعها السياسي وفق مشيئة القوى المهيمنة.
إن تجريد الشعوب من حقها في الدفاع عن النفس ليس أمرًا جديدًا في التاريخ، بل هو تكتيك قديم اتخذ أشكالًا جديدة. فالسلاح لم يكن يومًا مجرد أداة عسكرية، بل رمزًا للكرامة والسيادة، وضمانًا للردع أمام مشاريع الاحتلال والتبعية. يقول الله تعالى:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40]
وهذه الآية تؤكد أن دفع الظلم عن النفس والمقدسات لا يكون إلا بقوة الرادع، لا بخطابات التسوية.
لكن في عالم ما بعد الاستعمار الكلاسيكي، تطورت أدوات السيطرة. لم تعد الدبابة وحدها تقود الاحتلال، بل بات الحصار الاقتصادي والترويج للفساد والإفساد وتفكيك الهوية القيمية وسيلةً لإخضاع الشعوب من داخلها. يُقال لهم: “ضعوا سلاحكم وسنساعدكم على تجاوز أزمتكم الاقتصادية”، ولكن هذه مجرد واجهة لخلع أنياب المقاومة.
لقد شهدنا في التجارب المعاصرة – كما في العراق وسوريا واليمن ولبنان – أن تخلي الشعوب عن حقها في امتلاك وسائل الدفاع، جعلها عرضةً للمجازر والخذلان. فحين يسقط السلاح، يسقط من بعده كل شيء: الأمن، الكرامة، والسيادة. ومن لا يملك القدرة على الردع، لا يُحسب له حساب في المعادلات الكبرى.
نستذكر هنا التاريخ القريب، حين صمدت المقاومة الجزائرية أكثر من 130 عامًا، ليس فقط بقوة السلاح، بل أيضًا بإرادة شعبٍ رفض الخنوع، وقدّم أكثر من مليون شهيد في سبيل الحرية. وكذلك الشعب الفلسطيني الذي رغم محاولات التجريد، لا يزال يقاتل بالحجارة والصواريخ المصنّعة محليًا، ليثبت للعالم أن من لا يملك إلا ذاته، يمكنه أن يصنع معجزة الصمود.
والقرآن الكريم رسم هذه السننية بقوله:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]
إنه إذنٌ إلهي، لا يخضع لشروط مجلس الأمن، ولا لموافقة الحلفاء، بل يُمنح للمظلومين حين يُقرّرون الدفاع عن وجودهم.
إن المشروع القائم اليوم هو تكرار مموّه لمشهد الخيانة الكبرى. إذ تُمنح الشعوب وعودًا بالاستقرار والرفاه مقابل تخليها عن وسائل المقاومة، ثم يُترك لها الحصار والخذلان والموت البطيء. وهذه هي الاستراتيجية التي يسعى العدو لتكريسها: شعبٌ منزوع السلاح هو شعبٌ يمكن أن يُباد دون تكلفة سياسية.
وفي المقابل، فإن العودة إلى المفهوم الأصيل للمقاومة كحق فطري ومشروع ربّاني، يشكّل حجر الزاوية في أي نهضة حقيقية. ليس المقصود بالسلاح هنا فقط البندقية، بل كل أداة تعيد للإنسان قدرته على الرفض والمواجهة: من الكلمة إلى الموقف، ومن الإعلام إلى الاقتصاد، ومن الوعي إلى التنظيم الشعبي.
وعليه، فإن بناء منظومة مقاومة شاملة، لا طائفية، متجذرة في البُنى المحلية ومتجاوزة للانقسامات الأيديولوجية، تمثل خيارًا استراتيجيًا لمواجهة مشاريع الهيمنة الجديدة. فكما شارك الصوفي والمسيحي واليساري في جبهات التحرر من الاستعمار، يمكن اليوم صياغة تحالف واسع ضد أدوات الإخضاع المعاصر، بشرط أن تُحفظ الكرامة، ويُعاد للسلاح معناه الأصيل: رمز البقاء والسيادة.
✍️مجتبى نيكيان شفتي
زر الذهاب إلى الأعلى