طوفان الأقصى… المقاومة التي كرّست “سلام ترامب”
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
شكلت عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحول مفصلية، أُعلنت كعمل مقاوم هدفه كسر حالة الجمود، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية في القدس والأقصى، والمطالبة بتحرير الأسرى الفلسطينيين. لكن التداعيات الجيوسياسية لهذه العملية لم تسر بالضرورة في الاتجاه الذي خططت له المقاومة، بل يبدو أنها استُغلّت لتسريع وتكريس مشروع إقليمي أوسع نطاقاً، قادته الولايات المتحدة تحت إدارة رئيسها الحالي، دونالد ترامب. النتيجة الأبرز التي أعقبت شهوراً من العدوان الإسرائيلي هي “قمة السلام” التي عُقدت مؤخراً في شرم الشيخ، برئاسة مشتركة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فبينما كان العالم ينتظر إنهاءً حقيقياً للاحتلال وإقراراً بحقوق الشعب الفلسطيني، خرجت القمة بوثيقة “اتفاق شاملة” أعلن عنها الرئيس ترامب، واصفاً إياها بأنها تحقق “سلاماً في الشرق الأوسط” وتمهد لـ “صفقة القرن” بصيغة جديدة. يكمن جوهر هذا التحول في البند المحوري الذي ركزت عليه الوثيقة، وهو مبدأ “التعايش السلمي بين الأديان” (اليهودية، والمسيحية، والإسلامية) كركيزة أساسية للسلام الإقليمي. هذا التركيز ليس بريئاً؛ فهو يمثل استراتيجية أمريكية-إسرائيلية لتجاوز جوهر الصراع – وهو صراع سياسي حول الأرض والسيادة – وتحويله إلى خلاف ديني يمكن “التعايش” معه، يتم بموجبه إحلال لغة “التسامح الديني” محل لغة “التحرير وإنهاء الاحتلال”، مما يثبت الأمر الواقع على الأرض ويجمد المطالب الفلسطينية بإقامة دولة مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية. إن إقرار هذا المبدأ بصفته جزءاً من “وثيقة سلام شاملة”، وبموافقة وحضور وتوقيع دول عربية فاعلة، يمنح الاتفاقات الإبراهيمية غطاءً إقليمياً غير مسبوق، ويهدف إلى إدماج إسرائيل اقتصادياً وأمنياً ودينياً كقوة مهيمنة في المنطقة. من الناحية الجيوسياسية، فإن نجاح الرئيس دونالد ترامب في الحصول على موافقة عربية واسعة على هذا الإطار، يعني اعترافاً ضمنياً أو تثبيتاً لتفوق إسرائيل الإقليمي، وتكريساً لواقع ما بعد “طوفان الأقصى”، حيث يُصبح “السلام” أداةً لتثبيت الهيمنة بدلاً من إنهاء الاحتلال، مما يصب في خدمة تصورات “خارطة إسرائيل الكبرى” أو رؤية الهيمنة الإقليمية. في الختام، بينما دفعت المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في غزة ثمناً باهظاً في الدم والدمار، تبدو قمة شرم الشيخ محاولة لاستغلال هذه التضحيات الجسيمة من أجل إنجاز مشروع جيوسياسي يخدم القوى الكبرى وحلفاءها الإقليميين. إنها وثيقة “سلام” تكرس الأمر الواقع على الأرض، وتحاول أن تكتب فصلاً جديداً لـ “الشرق الأوسط” ليس على أساس العدالة والتحرير، بل على أساس الهيمنة والتطبيع، وبموافقة عربية شاملة.
زر الذهاب إلى الأعلى