المنار الأول للعمارة الشيعية..بدايات التفكير الفقهي بعقلية الحاكمية..!
عمار محمد طيب العراقي ||
ثمة رأي فقهي شيعي صريح وفاعل، تداوله كثير من فقهاء الشيعة، يتلخص بعدم جواز تأسيس الدولة يعنوان شيعي في زمن الغيبة، وعد الفقهاء هذا الرأي، تجاوزا واعتداءً على (صلاحيات) المعصوم، ورأوا أن للمعصوم وحده الحق بذلك، وأن هذه منطقة حمراء؛ لم يتجرأ أن يناقشها أو يهدمها، وأعتنق هذا التفمير كثير من الفقهاء، بالرغم من قناعة جملة منهم، بغير مضمونها..وهذا مستشف من مناقشات وطروحات كثير منهم
لكن الحصيلة؛ هي تأسس عشرات “الدول” الشيعية؛ في زمن الغيبة الكبرى، لكنها دول لم تتبنى التشيع بقدر عقيدي، بل بعنوان عام، مع العرض أن الحاكم الشيعي، كان مهتما بطقوس التشيع ومدارسه، دون أن يكون ذلك مؤصلا فكريا من عقيدة الأمامية .
في ذاكرتنا دولة البويهيين، والحمدانيين، والمشعشعيين, والصفويين، والقاجاريين وغيرهن كثير، وكانت السلطة مطلقة لرجل السياسة، ولكنها كانت تمارس فعليا وليس عقيديا، بمعونة أو نيابة عن الفقيه النائب للامام عليه السلام.
لقد كان تصرفا مزدوجا، خلاصته أن نأخذ قبل أن نعطي، وتلك هي فلسفة الحاكم الشيعي؛ بموضوع التعاطي مع الإرتباط الفقهي، وتلك هي فلسفته دائما في إدارة نظام الحكم، بل هي الفسفة الدائمة لأي حاكم شيعي.
في ذاكرة الموروث المكتوبة، أن العهد الصفوي، كان خروجا عن هذه القاعدة، ولكنه خروج غير تام؛ وحينما عد “الكركي” الشاه حاكما نيابة عن الإمام، فإن نظام الحكمة عن الفقيه، يعني حاكمية الفقيه، لكنها حاكمية بوكيل، وليس بحكمٍ أصيل..اي المَلك يحكم بشرعية الفقيه، الجامع للشرائط النائب عن الإمام
هذا الحال؛ اي حرمة الحكومة؛ والقائم على عقيدة الشيعة زمن الغيبة، بقى منطقة محرمة لا يجروء أحد على أن يقترب منها، حتى جاء الشيخ “النراقي” وطرح نظرية جديدة، وهي نظرية ولاية الفقيه، لكنها بقيت في بطون الكتب، ولم يهتم بها الفقهاء كثيرا، لأنها تباين متبنياتهم العقديةـ لكن السيد الخميني (رض) كان رائدا، في مشروع كسر العزلة وطرح متبنى كبير هو (ولاية الفيه).
في منتصف القرن العشرين طرح الإمام الخميني، مشروع ولاية الفقيه ونظّر لها وأصّلها في كتابهِ الحكومة الإسلامية؛ الذي يعد قفزة معرفية؛ وطرح تأصيلي يخالف متبنيات سابقيه، وهي أطروحة تقوم على قيادة الأمة، بشكل مباشر من قبل الفقيه؛ الجامع للشرائط النائب عن الامام المعصوم .
في ذات الفترة، طرحت نظرية أخرى؛ هي نظرية الشورى..وهي تقوم على حق الأمة في تأسيس نظام سياسي، وتكون القيادة لها؛ بشرط عدم تعارض النظام مع روح الاسلام، او تسليط الفساق على رقاب الأمة .
لكن بقيت هناك فئة مهمة من الأمة، كانت تؤمن بنظرية الانتظار؛ والتي تمثلها نسبة من الفقهاء لا بأس بها، وإن اختلف طرحها ما بين تبني الحسبة في الأمور العامة، أو ترك التدخل في شؤون الحكم مطلقا كتنظير، والا حتى أصحاب نظرية الانتظار؛ تدخلوا بل تدافعوا إيجابا ؛ لدفع خطر أو جلب نفع .
في هذا الإطار الذي بدأ يتقدم فقهيا، لإخراج التشيع من العزلة إلى المشاركة، كانت ثلاث شخصيات رئيسية، هم السيد روح الله الخميني في إيران، والسيد الشهيد محمد باقر الصدر في العراق، والسيد المغيب موسى الصدر في لبنان..يتحركون بقوة في إطار عقلية ولاية الفقيه..
يؤازرهم في هذا التفكير، الآلاف من مفكرين وفقهاء ومثقفين، ومتعلمين واصحاب وعي، لكل منهم طريقة تناسب ظروف بلده ؛ فاعتمد السيد الخميني على رمزية المرجع في نفوس الشيعة؛ فكان الحشد الجماهيري وتحريك الشارع؛ ولعل ما ساعده أن الشعب الإيراني في غالبه شيعة، ومؤسساته يقودها الشيعة حتى الشاه كانو شيعيا، وهذا يخلق تعاطفا مع الثورة، وهو ما حصل فعلا؛ فحقق نصرا عزيزا، سماه الشهيد الصدر حلم الأنبياء.. فطرح ولاية الفقيه لتكون نظام حكم؛ يستمد شرعيته من الأمام الغائب، بصفة الفقهيه نائب الإمام وله جميع سلطاته .
في حين كان العراق مختلفا؛ فالحاكم يجلس على كرسي الحكم، وشرعيته تاريخية..أي أنّ الحاكم من طائفة معينة، وهي الحاكمة منذ ألف سنة، وهذا مصدر شرعية ساعده عليه؛ نظرية الانتظار التي منعت عمليا الشيعة، من استلام الحكم رغم كل المؤهلات العددية، والاقتصادية، والاجتماعية .
الأمور سارت بشكل ممنهج، نحو خلق حزب سياسي بروح إسلامية، يتحرك بسرية تامة بعيدا عن أعين الأجهزة الحكومية، بضباطها، وسائر المسؤولين، والتنفيذيين، من الطائفة الحاكمة.. فكان نتيجة محاولة الخروج من التسلط والقهر أن تحول العراق، إلى بحر من الدماء بين الماسكين مقاليد الحكم والمهمشين، المدافعين عن حقهم في الوجود والمشاركة .
في لبنان مثلا..فإن الوضع مختلف عن سابقيه، فلا الشيعة أغلبية ولا هم حكاما، ولبنان متعدد الطوائف لا غلبة لطائفة فيه، رغم مطلقية السيطرة المسيحية وتتلوها السنية كسلطة وليس عدداً .
في حين بقي الشيعة رقما تحسب حصته مع السنة، كما في القضايا الوقفية والدينية..ولا يعطى الا فتاتا، حتى منصب رئيس مجلس النواب، بقي شكليا يغير في بعض الفترات كل سنة، وخصوصية لبنان عربيا.
اعانت السيد المغيب موسى الصدر، أن يطلق حركة المحرومين؛ منتفعا من تنظيمات حزب الدعوة هناك، والحزب الشيوعي اللبناني، الذي في غالبه شيعة..كونهم باحثين عن العدالة المفقودة الظانين أنهم سيجدونها من خلال هذا الحزب، !وبما أن هناك مساحة للحرية في لبنان، فقد ساعدته في طرح مشروعه والترويج له .
هذه الشخصيات الثلاث: السيد روح الله الخميني ، والسيد الشهيد محمد باقر الصدر ، والسيد المغيب موسى الصدر .
نفضت الغبار عن النصوص، ونحّت جانبا نصوص الانتظار السلبية، وفُعِّل الانتظار الإيجابي، الذي يعني المشاركة في بناء الأوطان، بل يكون للشيعة الركن الأساس، والقيادة الفاعلة .
متخطين كل العوائق، وصيحات المستسلمين، والخائفين ؛ فدفع السيد الخميني ثمنا باهضا عداء، وشتما، وتكفيرا، وتآمرا وحصارا، وحروبا، وعرقلة .
ودفع المسار عربون وجود وتأصيل وبث الحياة في أمةٍ؛ خدرتها النصوص المدسوسة والمكذوبة على أئمة ال البيت الاطها ؛ لذا نجد المشروع ينمو، والنصر المؤزر يلوح في الأفق رغم العراقيل، ومعاول الهدم.
شكراً
٥/٤/٢٠٢٥
زر الذهاب إلى الأعلى