مشروع الخلاص الوطني وبناء سيادة المجتمع العراقي
عدنان صگر الخليفه/ الإشراف العام لتجمع أهل العراق
تبدأ حقيقة الخلاص العراقي من الإيمان المطلق بأن السيادة والقرار يجب أن ينبعا من قاعدة الهرم الاجتماعي وصولاً إلى قمته، وليس العكس كما جرى طوال العقود الماضية، حيث فُرضت إرادة المنظومات السياسية المستوردة على المجتمع، مما أدى إلى اغتراب فكري وسياسي أنتج واقعاً مريراً يعتمد على تقاسم المغانم وسرقة المقدرات. إن المجتمع العراقي في جوهره هو قبيلة كبرى متكاملة، وهذا النسيج الاجتماعي ليس مجرد خزان للأصوات الانتخابية أو أداة لشرعنة وجود الأحزاب، بل هو المصنع الحقيقي الذي يجب أن ينتج القادة والكفاءات من أبنائه الأكاديميين والمهنيين والمفكرين والكادحين، ليكون القائد نتاجاً لمجتمعه ومديناً بالفضل لأهله، لا خادماً لحزب أو جهة خارجية أتوا بها من خلف الحدود لتكون أداة لمصالحهم. إن ما يُسمى بحكومات التغيير أو الفرصة الأخيرة لم تكن سوى وعود خداعة وأقنعة تتبدل للحفاظ على قوة الفساد وتوزيع الكعكة، بينما يظل الواقع العراقي مرتهناً لقوانين انتخابية صُممت بعناية لإعادة تدوير السارقين والمتهندمين الذين يتاجرون بزي الدين أو التكنوقراط كذباً. ولأن المرء لا يُلدغ من جحر مرتين، فإن على القبائل العراقية أن تعي دورها ككيان سيادي عابر للطوائف، يكسر جدران المناطقية والطائفية التي زرعتها السياسات الحزبية منذ عام ألفين وثلاثة، حيث حاولت تلك المنظومات جعل انتماء العراقي لمحيطه الضيق بدلاً من انتمائه لوطنه الكبير. إن القوة الضاربة لمشروع الخلاص تكمن في استعادة الدور الأصيل للقبيلة كمؤسسة مدنية ورقابية، تضع ميثاقاً داخلياً يرفع الغطاء عن الفاسدين من أبنائها ويتبرأ من أفعالهم ويحاسبهم قانوناً وشرعاً، بدلاً من حمايتهم بالاندفاعات العاطفية التي استغلتها الأحزاب، وفي الوقت ذاته تحمي المفكرين والنقاد وتدفع بالكفاءات النزيهة لتصدر المشهد بعيداً عن المال السياسي الملوث. وهذا الانتقال من التبعية للحزب إلى السيادة المجتمعية يتطلب تحرراً كاملاً من الخطاب الطائفي العقيم الذي هو منتج حزبي بامتياز، هدفه إبقاء الشعب في حالة عداء داخلي لتسهيل نهب ثرواته، ومن هنا تبرز ضرورة تجريد العمل السياسي من الاستغلال المذهبي بجعل الدين أخلاقاً وسلوكاً شخصياً يُمارس في القلوب والمحاضن التربوية بعيداً عن دهاليز السياسة ومعاملاتها التي لُوثت بالطائفية، مع ضرورة نقد الموروث التاريخي الذي كتبه المنتصرون وتجاوز مغالطاته التي تُستخدم اليوم كوقود للفتنة. إن العراق سيكون بسلام حين يتفق زعماء القبائل على نبذ المنظومات الحزبية والاعتماد على الذات الوطنية، وحين يدرك الجميع أن التاريخ والواقع يجب أن يكتبه أبناء الأرض الذين يقدسون الأمانة ويحمون السيادة، بعيداً عن وصاية المنظومات الدولية والإقليمية التي تجد فائدتها في عراق ضعيف وممزق، فالمصلحة الوطنية تقتضي العمل السياسي المجرد الذي يهدف لحماية حقوق العراقيين وبناء حاضرهم بأيدي أبنائهم المخلصين الذين لم تتلطخ أيديهم بمال الفساد ولم يذعنوا لإرادات الخارج، لتكون قبيلة العراق الكبرى هي الضمانة الوحيدة التي تمنع تكرار المآسي وتصنع ناتجاً يليق بعظمة هذا الشعب وتاريخه.
زر الذهاب إلى الأعلى