مَدْخَلْ:
التمكين بين النصّ والانتظار:
قراءة أولى في جدلية الغيب والواقع
علاء الطائي
في خضمّ صراع الأمة مع واقعها المعقّد تبدو نظرية التمكين واحدة من أكثر المفاهيم حضورًا وغموضًا في آنٍ معًا. فهي ليست نظرية سياسية فحسب ولا تصورًا حركيًا يُستنسخ على أرض الواقع فحسب بل هي بالأساس رؤية قرآنية ممتدة تتجاوز المراحل وتعلو فوق الانكسارات المرحلية
لكن الإشكال لم يكن يومًا في النص بل في القراءات التي أُسقطت عليه فقد توزّعت مواقف التيارات الدينية لا سيما الشيعية منها بين من جعل التمكين لحظة غيبية لا ينبغي المساس بسكونها وبين من رآه فعلًا بشريًا يتطلب الحركة والمبادرة والسيطرة على الأدوات
وهنا يبدو الانتظار مفردةً حاسمة في هذا النقاش فالاختلاف ليس في أصل العقيدة بل في وظيفة المنتظِر هل هو منسحب إلى التأمل؟
أم فاعل يسعى لتهيئة شروط الظهور؟
وهل تكون شروط الظهور فعلًا سياسيًا مباشرًا؟
أم إصلاحًا شاملًا في البنية الفكرية والاجتماعية؟
إن نظرية التمكين في صورتها القرآنية لا تُختزل بـ”استلام السلطة” بمفهومها الإداري أو العسكري بل هي وعد إلهي يتعلّق بـ”الاستخلاف” و”الأمن” و”العبادة بلا خوف” وهي لا ترتبط بزمن محدد بل بحالةٍ من الاستحقاق الجماعي حيث يكون المجتمع مؤهلًا لحمل الرسالة والعدل معًا.
الخطورة إذًا في اختزال التمكين إلى أدوات بلا غايات أو جعله عنوانًا للتبرير أكثر من كونه مشروعًا للتحرير وهنا تقع بعض النخب الدينية والفكرية في فخّ الانغلاق حيث تغيب الرؤية الاستراتيجية وتحضر الأدلجة القاتلة التي لا ترى من الواقع سوى ما يؤكد رؤيتها
وإن كان البعض يرى أنّ كثرة المرجعيات اليوم دليلُ تآكل فإن الحقيقة الأعمق هي أنّ حضور المرجعية مهما تنوّع دليلُ حياة لا موت لكن ما ينقصنا هو التوافق على “مفهوم التمكين” لا “أدواته” وعلى “جدلية الانتظار” لا “طقوسه”
نحن بحاجة إلى أن نعيد التمكين إلى أصله الرسالي لا أن نختزله في صورة من الماضي أو حلمٍ مؤجّل إلى الغيب التمكين ليس لحظة انقلاب على الواقع بل مسار تغيير جذري فيه لا يستبعد الغيب لكنه لا يعطّل الفعل البشري
وما بين نبوءة الغيب وخطط الأرض يقف المنتظرون عند مفترق المصير
أهو تمكينٌ بوعدٍ إلهي؟
أم مشروعٌ بشريٌّ يُراد له أن يلبس عباءة القدر؟
في الحلقات القادمة نكشف القناع عن التمكين نختبر قوة الشيعة
ونسائل “الإقليم الشيعي”
هل هو بوابة الظهور
أم وهم القوة الأخيرة؟
زر الذهاب إلى الأعلى