الحكومة بين التفعيل والتأجيل..
البروفسور د ضياء واجد المهندس
(حكومة الانتظار… هل يدخل العراق مرحلة “التجميد السياسي” بقرار داخلي وانتظار خارجي؟!!!)
في لحظة إقليمية معقدة تتداخل فيها حسابات إيران والولايات المتحدة، يعود إلى الواجهة مقترح سياسي غير تقليدي في العراق، يقوم على إعادة “تفعيل العملية السياسية شكلياً”، مع تأجيل تشكيل حكومة جديدة، والإبقاء على حكومة محمد شياع السوداني كحكومة تصريف أعمال لمدة عام، تمهيداً لانتخابات مبكرة تشمل مجلس النواب ومجالس المحافظات.
هذا الطرح—إن صحّ تداوله داخل أروقة الإطار التنسيقي والمجلس السياسي السني والأحزاب الكردية—لا يعكس فقط أزمة داخلية، بل يكشف عن حالة “تعليق القرار الوطني” على إيقاع التفاهمات الدولية.
أولاً: منطق المقترح – إدارة الفراغ بدل حسمه
يقوم هذا السيناريو على فرضية أن التوازنات الحالية لا تسمح بتشكيل حكومة مستقرة، وأن أي محاولة للإسراع في ذلك قد تؤدي إلى تفكك التحالفات الهشة. لذلك، يفضّل بعض الفاعلين السياسيين “شراء الوقت” عبر:
* إبقاء الحكومة الحالية بصلاحيات محدودة
* تهدئة الصراع بين الكتل
* انتظار مآلات التفاهم الأمريكي–الإيراني
بمعنى آخر، هو انتقال من “إدارة الدولة” إلى “إدارة الأزمة”.
ثانياً: الرهان على الخارج – سياسة مؤجلة السيادة
ربط تشكيل الحكومة باتفاق محتمل بين واشنطن وطهران يحمل دلالات خطيرة. فهو يعني عملياً أن القرار السياسي العراقي لم يعد يُحسم داخل بغداد، بل يُرحّل إلى طاولات التفاوض الدولية.
وهذا يعمّق الإشكالية المزمنة: هل العراق ساحة تفاوض أم دولة ذات قرار مستقل؟
ثالثاً: إبقاء حكومة السوداني – استقرار أم تمديد مؤقت؟
الإبقاء على حكومة محمد شياع السوداني قد يُقدَّم بوصفه خياراً عملياً لتجنب الفراغ التنفيذي، خصوصاً مع:
✓ استمرار عمل مؤسسات الدولة
الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات.
✓ تجنب صدامات سياسية حادة
لكن في المقابل، فإن تحويل حكومة كاملة الصلاحيات إلى “تصريف أعمال طويل الأمد” قد يخلق شللاً تدريجياً في القرار الاقتصادي والأمني.
رابعاً: الانتخابات المبكرة – حل ديمقراطي أم إعادة تدوير للأزمة؟
تحديد موعد لانتخابات مبكرة خلال عام يبدو مخرجاً دستورياً، لكنه يطرح تساؤلات جوهرية:
_ هل ستُجرى الانتخابات بقانون جديد يضمن تمثيلاً عادلاً؟
_ هل ستتم في بيئة خالية من السلاح والتأثير الخارجي؟
_ أم أنها ستكون مجرد إعادة إنتاج لنفس الطبقة السياسية؟
فالتجربة العراقية أثبتت أن الانتخابات وحدها لا تكفي دون إصلاح قواعد اللعبة.
خامساً: المخاطر الكامنة في “سنة الانتظار”
هذا المقترح، رغم ما يبدو عليه من عقلانية مؤقتة، يحمل مخاطر حقيقية:
# ترسيخ مبدأ تعطيل الاستحقاقات الدستورية
# إضعاف ثقة الشارع بالعملية السياسية
# فتح الباب أمام احتجاجات جديدة
# تعميق التبعية الإقليمية
الخاتمة:
بين الواقعية السياسية وفقدان الإرادة قد يبدو خيار “التأجيل” مغرياً للقوى السياسية كحل مؤقت، لكنه في جوهره اعتراف بالعجز عن إنتاج تسوية وطنية مستقلة.
العراق اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يتحول إلى دولة تنتظر إشارات الخارج لتقرر مصيرها، أو أن يفرض معادلة داخلية تُجبر الجميع على التوافق.
فهل نشهد ولادة “حكومة الانتظار”؟
أم أن الشارع العراقي، الذي خبر التأجيل كثيراً، سيقول كلمته قبل أن تكتمل هذه الصفقة المؤجلة؟
البروفسور د ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي
زر الذهاب إلى الأعلى