ميثاق الحقوق والكرامة: خارطة طريق لإصلاح البنيوية المالية والاجتماعية في العراق
بقلم/عدنان صگر الخليفه
إلى أي مدى يمكن الركونُ إلى سياسات “القلق الممنهج” التي تتبناها الماكينات الإعلامية والسياسية، بتعمدها ربط استحقاقات الموظفين والمتقاعدين بمتغيرات السيولة المالية، في محاولةٍ صريحة لتحويل الحق الدستوري المكتسب إلى أداةٍ للترويض السياسي والارتهان المعيشي؟ إن هذا التساؤل الاستراتيجي يكشف عن فجوةٍ أخلاقية وطبقية جسيمة أحدثتها التشريعات المتعاقبة؛ إذ في الوقت الذي تُحصّن فيه “الدرجات الخاصة” وذوو النفوذ السياسي أنفسهم بامتيازاتٍ ومخصصاتٍ استثنائية تحت ذريعة “غلاء المعيشة” مع مطلع كل دورةٍ انتخابية، يُترك المواطن البسيط والموظف والمتقاعد لمواجهة تآكلٍ حادٍ في القيمة الشرائية لدخلهم الحقيقي، والذي تهاوى بنسبةٍ تجاوزت الأربعين بالمئة نتيجة السياسات الضريبية والجبايات التصاعدية المفروضة على قطاعات الدواء والغذاء والاحتياجات الأساسية.
إن التناقض الصارخ بين خطاب “الإنجاز” وبين واقع الحال الذي يشهد تضاعفاً في أسعار الكساء بنسبٍ بلغت مئة وخمسين بالمئة، وانفلاتاً في أسعار السلع الغذائية، يضعنا أمام استحقاقٍ وطني يستوجب مراجعةً شاملة لآليات إدارة الدولة؛ فالبناءُ الحقيقي لا يستقيمُ مع منهجية التجهيل المتعمد، أو تردي المنظومات الصحية والتعليمية، أو استغلال مشروعات “الأتمتة” في وزارة التجارة لتكون واجهةً لحجب الحصص التموينية وتقليص سلة الغذاء، التي لا تصل قيمتها الفعلية في أحسن الأحوال إلى ثلث المبالغ المرصودة لها في الموازنات العامة.
لذا، فإن برنامج العمل الوطني يفرضُ على المنظمات غير الحكومية، والنخب الفكرية، والمنصات الإعلامية الرصينة، الاضطلاع بدور “المؤسسة المرادفة” القادرة على رصد الانحرافات التشريعية وتقديم بدائل علمية؛ تبدأ بفرض “قانون سلم الرواتب الموحد” لإعادة التوازن الطبقي، وتفعيل صناديق التقاعد السيادية المستقلة لحماية مدخرات الأجيال من التجاذبات السياسية، ووضع حدٍ للانفلات السعري والضريبي الذي ينهش كرامة الفرد. إن استدامة الأوطان لا تُبنى بالسرقة أو الاستئثار بالسلطة، بل بصون كرامة الإنسان وضمان أمنه الغذائي والمعيشي، وهو ما يتطلب تحويل المعاناة الشعبية إلى ضغطٍ تشريعي وقانوني يفرضُ الشفافية ويجعل من “خدمة المواطن” المعيار الوحيد لشرعية السلطة ونجاحها.
زر الذهاب إلى الأعلى