ليلةُ الرحيل الأعظم… حين صعدت روحُ عليٍّ من محراب الأرض إلى ملكوت السماء
أ.محمد البحر المحضار …
في هذه الليلة الموجعة من ليالي شهر رمضان، ليلة الحادي والعشرين، لا يقف التاريخ عند حدثٍ عابر، بل يقف الكون كله في لحظة حدادٍ كبرى.
إنها الليلة التي ارتفعت فيها روح أمير المؤمنين، الإمام علي بن أبي طالب، من محراب الكوفة إلى عوالم النور، بعد أن أثخنته ضربة الغدر التي وجّهها الشقي عبد الرحمن بن ملجم.
ليست هذه الليلة ذكرى موت رجلٍ عظيم فحسب، بل هي ذكرى غياب قلبٍ كان يخفق بالعدل، وعقلٍ كان يفيض بالحكمة، وروحٍ كانت مرآةً لنور الرسالة التي جاء بها رسول الله محمد بن عبد الله.
في هذه الليلة، كأن السماء تنحني حزناً، وكأن الملائكة تمشي في صمتٍ مهيب، لأن الأرض فقدت أحد أعظم أنوارها.
ذلك الإمام الذي كان محرابه بوابةً بين الأرض والسماء، وكان سجوده لغةً يفهمها أهل الملكوت.
لقد عاش عليٌّ لله حتى صار ذكره عبادة، وعاش للحق حتى صار اسمه مرادفاً للعدالة.
وحين حانت ساعة الرحيل، لم يترك خلفه قصوراً ولا سلطاناً، بل ترك مدرسةً من النور، ونهجاً من الكرامة، وطريقاً من الوعي الذي لا يزول.
وفي مثل هذه اللحظات المغمورة بالحزن، تشعر القلوب بحاجتها إلى صوتٍ يذكّرها بالصبر، ويجمع شتات ألمها حول معنى العزاء في مصاب أمير المؤمنين.
ذلك الصوت الذي اعتادت الأمة أن تسمعه في مواسم أحزان أهل البيت عليهم السلام، صوت الحكمة والثبات، صوت سماحة الإمام علي خامنئي، الذي لطالما أعاد إلى القلوب معنى الارتباط بنهج علي ومدرسته.
فنحن في هذه الليلة، نقف بين دمعةٍ وذكرى:
نعزّي الإمام علي باستشهاده، ونعزّي الإمام الخامنئي بجدّه أمير المؤمنين، ونعزّي أنفسنا بفقدان ذلك النور الذي كان يضيء محراب العدالة في تاريخ الإسلام.
غير أن عزاءنا الأكبر أن روح علي لم تغب عن هذه الأمة؛
فهي ما زالت حاضرة في كل قلبٍ يقف مع الحق، وفي كل روحٍ ترفض الظلم، وفي كل إنسانٍ يسير على درب الكرامة.
سلامٌ عليك يا أمير المؤمنين، يا شهيد المحراب، يا من صعدت روحك في هذه الليلة من أرض الكوفة إلى بحار ملكوت الله وجبروته.
سلامٌ عليك يوم عشت للحق، ويوم ارتقيت شهيداً، ويوم تبعث حياً.
نسأل الله أن يجعل قلوبنا موصولةً بنورك، وأن يجمعنا معك ومع الصالحين من ذريتك وأتباعك في جنات النعيم.
زر الذهاب إلى الأعلى