الجوع الذي ينهش غزة… والعرب يتفرجون
ريما فارس
في غزة، لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن مجاعة حقيقية. صغار ينامون وصدورهم تئن من الفراغ، وأمهات تكتفين بتقبيل الجباه بدلًا من ملء البطون، لأن لا شيء يُقدّم. لا رغيف، لا ماء، حتى الفتات غاب. انطفأت نيران المواقد، وتلاشت معها دفقة الحياة.
في غزة، صار الرغيف حلمًا، والقطرة رجاء، والمعلبات الفارغة ألعابًا لصغار فقدوا طفولتهم تحت ركام الجوع. الحياة تُنتزع من أيديهم كما يُنزع الكفن عن جسد بارد.
والعرب… يشاهدون.
أين أنتم يا أبناء الجزيرة والرافدين والنيل؟
أين السعودية؟ أين الأردن؟ أين مصر؟
تخرج الأسئلة من الأفواه كأنّها أنين الأمعاء، وهذه دول يجمعها بنا الدم والدين واللسان والتاريخ.
فلماذا الصمت؟
لماذا التخاذل؟
ما الذي يُبرّر إغلاق بوابة الحياة في وجه طفل يبكي؟
أي منطق يقدّم حسابات الأمن على أرواح المساكين؟
مصر، الجارة، لا تُحرّك بوابة رفح. هل ضاعت مفاتيح الإنسانية؟
الأردن، الأقرب وجدانًا وجغرافيا، ما عاد له صدى إلا في المؤتمرات الباردة.
والسعودية، بلاد الحرمين، تُعرض بوجه كأن لا دم يُراق، ولا براءة تُذبح.
من يمتلكون القرار والحدود والمفاتيح، من لهم المصير المشترك والهوية الواحدة، أين اختفوا؟
غزة لا تُقصف فقط… بل تُجَوَّع.
وهذا التجويع ليس عجزًا بل فعل متعمّد.
قرار بكسر الإرادة عبر الجوع، لكنهم يجهلون أن غزة لا تركع، ولو التهمت الحصى.
في غزة، بات الطعام سلاحًا.
والماء تهمة.
والخبز مكافأة.
وفي الجهة الأخرى من العالم… دموع تسيل.
أجانب لا تجمعهم بغزة قرابة ولا عقيدة، وقفوا مذهولين.
في لندن، أمهات يحملن صور أطفال يتضورون، يهتفن: “دعوا الرغيف يمرّ!”
في نيويورك، ناشطات يفترشن الأرض أمام الأمم المتحدة، ممسكات بقطع خبز يابسة، يصرخن: “هل صار الخبز جريمة؟”
وفي مدريد، صحافية إسبانية تنهار على الهواء، تروي قصة صغير غزيّ مات جوعًا، وتهمس دامعة: “يا للعار!”
أطباء من النرويج وأستراليا يطلبون الإذن للعبور، لعلهم يسعفون حياةً تُحتضر.
متطوعون من أمريكا اللاتينية وشرق أوروبا يجمعون ما يستطيعون من غذاء، يبعثونه أملًا بأن يفتح معبرٌ طريق الحياة.
هؤلاء حرّكهم الضمير… فماذا عنّا؟
متى يوقظنا أنين الجوعى؟
متى نهتزّ؟
هل ماتت مشاعرنا حتى صرنا لا نتحرك لرغيف ولا نبكي لطفل ولا نثور لكرامة؟
أمام هذا المشهد الجارح، لا نملك إلا أن نصرخ في وجه العالم:
كفى صمتًا.
كفى ادّعاء للحياد.
إن عجزتم عن القتال، أطعموا الجائع.
وإن لم تقدروا، فلا تكونوا درعًا للقاتل.
فمن يُميت بالجوع، لا يقلّ جرمًا عمّن يُسقط القذائف.
زر الذهاب إلى الأعلى