الرئيسيةالمقالات

▪صلح الإمام الحسن وموقعه من ثورة الإمام الحسين

▪صلح الإمام الحسن وموقعه من ثورة الإمام الحسين

▪️عدنان أحمد الجنيد

▪️الحلقة الثالثة :

* إن الحسن والحسين تربيا في حجر النبوة والفتوة، وجميع حركاتهما وسكناتهما قدوة لمن جاء بعدهما.. قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – : “من أحبني وأحب هذين – يعني الحسن والحسين – وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة” (1) سنن الترمذي [٣٠٥/٥] برقم (٣٨١٦) ، مسند أحمد [٧٧/١]. وقال: “الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ..” (2) سنن الترمذي [٣٢١/٥] برقم (٣٨٥٦).

والأحاديث في مكانتهما وفضلها مشهورة جداً، كحديث الثقلين، والسفينة، وغيرها.. ناهيك عما نزل بحقهما من آيات عديدة عن حوادث حصلت وشهدها المسلمون، وهي شهادة لهما تبين فضلهما ومكانتهما من جدهما رسول الله (صلى الله عليه وآله)،كآية التطهير، والمودة، والمباهلة، وسورة الإنسان، وغيرها من الآيات.. فهذه الأحاديث والآيات عبارة عن أنموذج فقط تبين وحدة المرتبة والمنزلة لسبطي رسول الله صلوات الله عليه وآله …
إن الآيات التي نزلت بحقهما، والأحاديث التي جاءت بفضلهما، توحي بأن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ما قالها إلا لكي تعلم الأمة أن ما سيقومان به من أعمال وأفعال ومواقف، إنما هي عين الحكمة والصواب.. فموقف الحسن، بكل ماقام به، لاسيما في قبوله الصلح، هو نفس موقف الحسين، فقد كان الحسين بجانب أخيه في جميع المواقف والقضايا، ولو كان الحسين مخالفاً لأخيه في قبوله بالصلح لثار على معاوية، ولأعلن رفضه للقبول بالصلح، كذلك لو قدر الله أن عاش الحسن إلى زمن يزيد، لكان الحسن أول من وقف بجانب أخيه الحسين وخرج معه بتلك الثورة المباركة، فلا تناقضاً ولا اختلافاً ولا تنافياً ولا تعارضاً بين صلح الحسن وثورة الحسين، بل إن صلح الحسن يعد ثورة بحد ذاتها، ثورة تمهيدية للثورة الحسينية الكبرى، فلولا صلح الحسن لما كانت ثورة الحسين .
وهنا سوف نوجز عن سبب صلح الحسن وهو – أيضاً – جواب عن سؤال (لماذا لم يستمر الحسن بمن معه من المخلصين، في مواجهة إمام الفئة الباغية معاوية، ويقاتله ليسجل ملحمة فدائية خالدة، كما فعل الحسين في قتاله مع الطاغية يزيد) ؟! وسنبين أن الحق هو ما قام به الحسن في قبوله الصلح، فضرورة الواقع أجبرته على ذلك، كما أجبرت الحسين على الثورة، فكلا الموقفين حق وصواب ..
وإليك التوضيح والجواب من خلال النقاط التالية :
* يجب أن تعلم بأن الإمام الحسن لم يقف موقف المتفرج لما يقوم به معاوية من أعمال شنيعة وجرائم مريعة في حق المسلمين، بل وقف أمام ظلمه ودسائسه، ورفض منحه أية مشروعية، وقام بثورة ضده حيث أعلن النفير العام، فأعد عدته وهيأ جيشه كي يخرج بهم إلى لقاء معاوية، إلا أن البعض خذلوه فتخلفوا عنه ولم يفوا بما وعدوه من الخروج معه ..(3) الخرائج و الجرائح [ ٥٧٤/٢ ] للراوندي.
فتوجه – بمن معه – إلى المدائن لمحاربة معاوية، ولكن الذين معه خذلوه – أيضاً -، ناهيك عن خيانة قائد جيشه والمقربين من أتباعه، أضف إلى ذلك تثاقل جنوده عن القتال معه ..
فقد خطب بهم – عليه السلام – ليعرف مدى رغبتهم واستعدادهم للقتال معه فقال: « إنّا والله ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم وإنّما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فسُلبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفّين ودينكم أمام دُنياكم، فأصبحتم اليوم ودُنياكم أمام دينكم، ألا وأنّا لكم كما كنّا، ولستم لنا كما كنتم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين، قتيلٌ بصفّين تبكون عليه، وقتيلٌ بالنهروان تطلبون بثأره، فأمّا الباقي فخاذل، وأمّا الباكي فثائر، ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ بظباء السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا» . فناداه القوم من كلّ جانب : البقية البقية، فلمّا أفردوه أمضى الصلح (4) أسد الغابة [ ١٧/٢ ] .
قلت : ومعنى أفردوه : أي تركوه فريداً وحيداً ..
* تعلم مما سبق أن الإمام الحسن – عليه السلام – كان عازماً على قتال طغاة الشام، ولكن الخذلان الذي رآه الإمام الحسن – عليه السلام – من جيشه والخيانة من خواص أتباعه وقائد جيشه، إضافة إلى محاولتهم اغتياله – عليه السلام – حيث ذكر المؤرخون: ” بينما كان الحسن -عليه السلام – بالمدائن إذ نادى مناديه في عسكره: «ألا إن قيساً بن سعد قد قتل!»، فشدّ الناس على حجرة الحسن عليه السلام فانتهبوها حتى انتهبت بسطه وجواريه وأخذوا رداءه من ظهره !! وطعنه رجل بخنجر مسموم في إليته، فتحول من مكانه الذي انتهب فيه متاعه وانتقل – كما يقول الطبري- إلى منزل سعد بن مسعود الثقفي- عمّ المختار- وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها، فأقرّه الحسن عليه السلام، فقال له المختار وهو غلام شاب: هل لك في الغنى والشرف؟
قال: وما ذاك؟
قال: توثق الحسن عليه السلام، وتستأمن به إلى معاوية!
فقال له سعد: عليك لعنة الله، أثب على ابن بنت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم – فاوثقه! بئس الرجل أنت(5) تاريخ الطبري [ ٢/٧ ] ، الكامل في التاريخ لابن الأثير [ ٤٠٤/٣ ] بتصرف .

* كل هذه الظروف التي أحاطت بالإمام – عليه السلام – أجبرته على قبول الصلح، فلا خيار له غير القبول بالصلح، وحقق بالصلح انتصاراً كبيراً ..
ولو نظرنا إلى الإمام الحسين -عليه السلام – لوجدنا أن في بداية تحركه وثورته وجد أعواناً وأنصاراً، وحتى بعد نقضهم لبيعته بعد وصوله إلى كربلاء كان لجيشه المحدود عدة الروح القتالية والتوقان للاستبسال والشهادة، ناهيك عن أهدافه المثلى، ولهذا حقق باستشهاده انتصارات كبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار