“ظلام الشعب.. عندما يُصبح المواطن وقودًا لفساد المحاصصة!”(2 يوليو 2025)
بقلم/عدنان صگر الخليفه
في قلب العاصمة بغداد، وتحديدًا في منطقة سبع قصور، شارع أبو علي، تعيش أكثر من 100 عائلة جحيمًا لا يُطاق. لأربعة أيام متتالية، وبلياليها اللاهبة، تُركت هذه العائلات في ظلام دامس، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات خطيرة، بعد أن التهم حريق محولتهم الكهربائية فئة 250 KVA. ليست هذه مجرد مشكلة فنية عابرة، بل هي مرآة تعكس أزمة عميقة في صميم دولة يُفترض أنها تُدار لخدمة شعبها.
فالواقع ليس غياب المعلومة، بل هو تقاعس مُتعمد ومبررات واهية لا تُسمن ولا تُغني من جوع. دائرة توزيع الكهرباء في الشعب، التي كان على علم تام بالحادث واستلمت المحولة المحترقة في اليوم التالي، لم تُحرك ساكنًا لأيام متتالية. وعند مواجهة المواطنين بالمهندسين المسؤولين، مثل المهندس حيدر والمهندس حاتم، كانت الأعذار جاهزة: “لا توجد محولات 250 KVA في المخازن، والمتوفر فقط هو 400 KVA”. وهي حجة تكشف عن سوء تخطيط وإدارة للمخزون، وتساؤلات أكبر عن سبب عدم تركيب المحولة الأكبر كحل فوري لمعاناة المئات.
ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر إلى حد يُجبر فيه المواطن نفسه على “ترويج معاملات التسليم والاستلام” للمحولة داخل أروقة الدائرة، في مشهد سريالي يُظهر أن المواطن قد بات يؤدي واجبات موظفين يتقاضون رواتبهم من المال العام. وعندما يشتكي، يأتيه الرد المهين من بعض الموظفين بأن “المواطنين لا يفهمون”، وكأن معاناة الناس هي نتيجة لجهلهم لا لتقصير المسؤولين وإهمالهم.
هذا المشهد ليس بمعزل عن السياق الأوسع. ففي ظل حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، التي رفعت شعار “الحكومة الخدمية”، يستمر هذا النخاع الشوكي المعطوب في مؤسسات الدولة. إنها ذات الدورة التي تتكرر منذ عام 2003: مرشحون يدعون الصلاح ويكسبون ود الناخبين بوعود معسولة قبل الانتخابات، ثم ما إن يصلوا إلى مواقع المسؤولية، حتى يتحولوا إلى مُبتزين يتركون الشعب على حاله، مُنشغلين فقط بالحفاظ على مكتسباتهم الخاصة ومصالح أحزابهم.
السبب الجوهري هو نظام المحاصصة اللعين الذي جعل المناصب والمسؤوليات محمية من الحساب. فعندما يكون “رأس الهرم” يعمل لمصلحته الشخصية والحزبية، وليس لمصلحة المواطن، تنتقل هذه الروحية إلى الأدنى، ليُصبح التقاعس والإهمال ثقافة سائدة. لا حاجة للموظف أن يعمل بجد ما دام ولاؤه يضمن بقاءه، ولا حاجة للمسؤول أن يخدم ما دام موقعه محصناً بتقاسم السلطة.
لذا، ومن هذا المنطلق، فإن نداءنا اليوم يتجاوز حدود منطقة سبع قصور. إنه نداء إلى كل مواطن عراقي: لا تنتخبوا هذه المنظومة وهذه الأحزاب المتحكمة بمقدرات العراق منذ عام 2003 إلى اليوم. حتى وإن حاولوا إخافتكم بالمذهب وادعوا حمايته من كل الجهات، فهذا كذب في ادعاءاتهم. هم يريدون الحفاظ على هذه المواقع واستعباد الشعب بهذه الوصفات البالية. لا تنخدعوا بـ”الكلام المعسول” الذي لا يتبعه فعل. كفى استهانة بمعاناة الناس، وكفى هدرًا لكرامة المواطن.
إن ألم أكثر من 100 عائلة في ظلام الشعب هو صرخة مُدوية يجب أن تُسمع، ليس فقط للمطالبة بالكهرباء، بل للمطالبة بوطنٍ تُحترم فيه كرامة المواطن، وتعمل فيه المؤسسات لخدمته لا لاستعباده.
زر الذهاب إلى الأعلى