“من يحاسب؟”: صرخة الشعب العراقي في ظل مسؤولين يتباكون من الفساد
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
في مشهدٍ بات مألوفًا بالعراق، يتحوّل المسؤولون إلى مجرد “معلقين” على الأوضاع، يشتكون ويستنكرون الفساد دون تحمّل مسؤولياتهم في معالجته. هذا الواقع جسّده النائب يوسف الكلابي في تسريب صوتي متداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن مداخلة برلمانية، بل رسالة وجهها للمجتمع العراقي معلنًا فيها براءة ذمته. هذه الصرخة، التي تأتي من داخل الطبقة السياسية نفسها، تثير تساؤلًا جوهريًا يطرحه الشعب العراقي بمرارة: إذا كان المسؤول، وهو عضو برلمان ورئيس لجنة، يكتفي بإطلاق الصرخات وكشف الفساد للمجتمع، فأين يكمن دوره في تحمل المسؤولية الفعلية؟
في رسالته، سلّط الكلابي الضوء على قضايا حساسة تمس إدارة المال العام، مثل تبرّع العراق بأجهزة التابلت لتعداد سكانه إلى الأردن، والمبالغ الطائلة التي صُرفت على شراء العجلات المصفحة للقمة العربية، إضافة إلى تبرعات العراق بأموال وحنطة لدول الجوار. الأدهى، كما أقرّ الكلابي، أن هذه القضايا لم تُكشف إلا عبر التسريبات ووسائل التواصل الاجتماعي، لا عبر الآليات الرقابية الرسمية. هذا الإقرار من نائب برلماني يؤكد ضعف المؤسسات ويشير إلى أن “المسؤول المدوّن” بات جزءًا من المشهد.
السؤال الجوهري الذي يتردد صداه في رسالة الكلابي، ويعكس يأسًا شعبيًا عارمًا: “من سيحاسب المقصر من أعلى الهرم إلى أدناه؟” هذا التساؤل يعرّي واقعًا يغيب فيه “صاحب المسؤولية” الفعلي، فـالجميع في العراق، من رأس الهرم إلى أدناه، يشتكي من الفساد ولا أحد يحاسب المقصر. هذا التحول من الفاعل إلى المعلق هو نتاج مباشر لغياب المساءلة، الذي يتغذى بدوره على نظام المحاصصة. هذا النظام يضمن تقسيم المناصب والموارد على أساس الولاءات، مما يضعف المحاسبة ويشجع على “الشكوى” دون فعل حقيقي.
تتضح المفارقة مع اقتراب الانتخابات، حيث تُرفع شعارات “انتخبوا الأصلح”. لكن الكتل السياسية ذاتها التي تشتكي من الفساد هي أول من يعارض أي تعديل حقيقي للنظام الانتخابي أو القوانين التي تكرس المحاصصة. هذا الرفض يؤكد أن “الشكوى” ليست سوى “أنغام سياسية” تهدف لإيهام الشعب بالحرص على مصالحه، بينما هي تكتيك للحفاظ على الوضع القائم الذي يسمح لهذه النخب بالبقاء في “الدرك الأسفل من الفساد ونهب مقدرات العراق”، حتى لو اضطروا لتغيير بعض الوجوه للحفاظ على نفس الكتل الفاسدة.
يجد المواطن العراقي نفسه بين مطرقة فساد مستمر وسندان مؤسسات لا تؤدي دورها، ومسؤولين يكتفون بالشكوى. التحدي الأكبر يكمن في كسر هذه الدائرة المفرغة والدفع نحو مسؤولية حقيقية تتجاوز التصريحات وتتحول إلى فعل.
زر الذهاب إلى الأعلى