التقاريرالرئيسية

العراق بين أنياب التجزئة وصرخة السيادة: رؤية لإصلاح ما أفسدته الديمقراطية الزائفة

العراق بين أنياب التجزئة وصرخة السيادة: رؤية لإصلاح ما أفسدته الديمقراطية الزائفة

إعداد/ الكاتب والباحث/عدنان صگر الخليفه
12/يونيو/2025

مقدمة: وطنٌ يئن تحت وطأة الأكاذيب
منذ عام 2003، قُدم للعراق وشعبه وعدٌ زائفٌ بالديمقراطية والحرية. أُقيمت منظومةٌ حكمت البلاد تحت شعارات براقة، بينما كانت في جوهرها تسلب الحقوق وتنهب المقدرات وتُقوض السيادة. عالمٌ بأكمله يدرك اليوم حجم الفساد المستشري، سوء الخدمات، تدهور التعليم والصحة، وتكميم الأفواه، لكنه مع ذلك يستمر في الاستماع إلى تضليل من يزعمون تمثيل العراق على الساحة الدولية. تجمع أهل العراق يرى في هذا تناقضًا صارخًا، ويؤكد أن من أوجد هذا الواقع المتردي يتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية في تصحيح المسار. هذا البحث سيتناول جذور الأزمة، يكشف زيف الادعاءات، ويقدم رؤية متكاملة لإصلاح حقيقي ينبع من إرادة الشعب العراقي.
جذور الأزمة: دستور مفروض وأعراف فاسدة
إن جوهر مشكلة العراق لا يكمن فقط في الأشخاص الذين حكموا، بل في الإطار الذي أُسس عليه حكمهم. فالدستور الذي أُقر عام 2005، والذي يُفترض أنه جاء بإرادة الشعب، هو في الحقيقة يحتوي على خمس مواد أُضيفت بعد التصويت الأصلي على 139 مادة فقط. هذه المواد، وعلى رأسها المادة 140، لم تكن مجرد إضافات، بل كانت تهدف بشكل صريح إلى تجزئة العراق وخلق مناطق متنازع عليها، مما ساهم في تفكيك نسيج المجتمع.
إلى جانب هذه المواد الدستورية المفروضة، أُسس الحكم في العراق على “المحاصصة” كعرفٍ سياسي غير دستوري. فبينما لا يوجد نص صريح في الدستور يشرعن المحاصصة أو التفرقة، فإن من تولوا السلطة بعد 2003 نسجوا اتفاقات فيما بينهم لتقسيم المناصب والمقدرات على أسس طائفية وعرقية، جاعلين من هذا العرف الفاسد قاعدة لا تُخرق، مما عمّق الانقسام وفتت الولاء الوطني.
فساد ممنهج وتدمير للمقدرات
لقد تجاوز الفساد في العراق مجرد الاختلاس ليصبح تدميرًا ممنهجًا لمقومات الدولة ومستقبلها. الأدلة على ذلك واضحة:
توقف المنظومة الصناعية والاستثمارية: أُجهضت جهود التنمية الصناعية والاستثمارية، مما أدى إلى خنق الاقتصاد العراقي وحرمانه من التنوع ومصادر الدخل المستدامة.
إهمال القطاع الزراعي: لم تُقدم المساعدة الكافية لتمكين العراق من زراعته، حتى في مواجهة تحديات حيوية مثل توقف تدفق المياه من إيران وتركيا، مما يُهدد الأمن الغذائي ويزيد من تبعية البلاد.
“الاستثمار” كغطاء للنهب: ما يُسمى بالاستثمار هو في حقيقته عملية نهب مقننة. تُمنح الأراضي والعقارات التي تُقدر بمليارات الدنانير، بل وحتى المباني الجاهزة للعمل، إلى مستثمرين. المفارقة تكمن في أن هذه الأصول لا تعود ملكيتها للدولة بعد فترة (كما هو الحال في عقود المساطحة الحقيقية)، بل تبقى ملكًا خاصًا للمستثمر، الذي يبيع الوحدات السكنية المبنية عليها للعراقيين بأسعار باهظة، مُزيدًا من أزمتهم بدلًا من حلها.
الاستحواذ على أصول الدولة: الأحزاب المتنفذة تستحوذ بشكل مباشر على ممتلكات الدولة، وخاصة العقارات، وتحولها إلى ملكيات خاصة، مما يجرد الدولة من مواردها ويُثري قلة على حساب الشعب.
حكومة التوافقات لا التمثيل: دماء تُسفك وثورات تُجهض
إن الحكومات والبرلمانات التي تُشكلت في العراق بعد 2003 لم تكن تمثيلًا حقيقيًا للشعب، بل هي نتاج توافقات حزبية ضيقة. رئيس الوزراء الحالي، على سبيل المثال، لم يحصل إلا على بضعة آلاف من الأصوات، وحتى من سبقه من رؤساء الوزراء، لم يحصل أعلى رئيس وزراء منهم على أكثر من 2000 صوت، مما يؤكد أنهم لا يمثلون العراقيين بأجمعهم، بل هم أصوات التوافقات التي أتت بهم. إننا نرفض أي دعاية تدعي وجود “أغلبية” وهي في حقيقتها مجرد توافقات على تقاسم السلطة دون امتلاك سلطة حقيقية على القرار.
على الصعيد البشري، شهد العراق سفكًا للدماء بشكل مستمر منذ عام 2003، دون محاسبة حقيقية للمتسببين. وقد أدى هذا الواقع إلى تقسيم العراق طائفيًا بشكل عميق، حيث أصبحت الطوائف كيانات يصعب اختراقها، في ظل غياب وطنية حقيقية وحلول محلها زرع الطائفية والإثنية وتكفير الآخر.
وحتى الثورات والتظاهرات السلمية التي خرجت من عمق معاناة العراقيين، مثل ثورة تشرين، قد تم التسلط عليها وإجهاضها. ركب أمواجها المستغلون من ممثلي الأحزاب والحكومة وحتى بعض المتسلقين من الخارج، ممن يتلذذون برؤية الدماء العراقية تسيل، وسعوا لتحقيق مصالحهم الشخصية على حساب تضحيات الشعب. إننا نرى أن هناك محاولات مستمرة لاستغلال أي حراك قادم، لا سيما الدعوات لحمل السلاح واحتلال المنطقة الخضراء بالتزامن مع توترات إقليمية، مما سيوفر للحكومة ذريعة لقمع أي ثورة بحجة أنها مدفوعة بأجندات خارجية.
رؤية “تجمع أهل العراق” نحو الخلاص والسيادة
يدعو تجمع أهل العراق إلى مقاربة شاملة لإصلاح ما أفسدته الديمقراطية الزائفة والمنظومة الفاسدة، وذلك من خلال:
نحن نرفض أي شخصية مدعومة من دول أجنبية أو تحمل جنسية لدول أجنبية تتسلط علينا في الداخل نهائيًا، بل نحن نريد أبناءنا هم من يتمكنوا من قيادة أنفسهم.
لا لحكومة جاهزة من الخارج أو سياسيين مدعومين: الحل يجب أن ينبع من الداخل العراقي، وأن تكون الأطراف التي ساهمت في إيصال العراق إلى هذا الحال مسؤولة عن إيجاد حلول تمكن الشعب من اختيار ممثليه بحرية.
رفض من خان البلد: من خان البلد الذي منحه الجنسية وأقسم على حمايته لا يمكن أن يمثل العراق، فمن خان مرة يخون مرات، وهؤلاء لا يأتون إلا لسرقة العراق وتمكين البلد الذي ينتمون إليه.
رئاسة وزراء بصلاحيات كاملة ومسؤولية حقيقية: نريد رئيسًا للوزراء يمثل قائدًا حقيقيًا لمنظومة الحكم، قادرًا على اتخاذ القرارات وإصدار الأوامر بشكل فعال ويتحمل المسؤولية كاملة، بدلًا من كونه مجرد توافقات حزبية.
منظومة رئاسية موحدة: رئيس للوزراء ورئيس للجمهورية يتم انتخابهما عبر دائرة انتخابية واحدة تشمل العراق بأكمله، لضمان تمثيل جميع الأطياف والمكونات، مع تقسيم السلطة لتمكين رئيس الوزراء من العمل بحرية وجعل رئيس الجمهورية ممثلاً للعراق بأجمعه.
تأسيس مؤسسات دولة حقيقية:
نظام قضائي مستقل ونزيه: لا يخضع للمساومات أو الضغوط السياسية، ويعمل بما يراه حقًا وعدلًا.
برلمان حقيقي يمثل الشعب: يأخذ بعين الاعتبار متطلبات الشعب، ويحفظ حقوقًا متساوية لكل الأفراد، مؤكدًا أن المواطنين كلهم سواسية في العراق.
جيش وطني يحمي الحدود: قوة عسكرية تكون ولاءاتها للعراق فقط، قادرة على الدفاع عن سيادته.
منظومة أمنية داخلية تمنح الأمن والأمان: تضمن الاستقرار والطمأنينة للمواطنين.
اقتصاد يخدم المواطن لا المستغلين:
إعادة النظر في عقود “الاستثمار” التي تحولت إلى نهب مقنن لأراضي وممتلكات الدولة، وتطبيق مبدأ عودة الأراضي والمباني للدولة بعد فترة زمنية محددة.
إعادة إحياء القطاع الصناعي والزراعي لضمان الاكتفاء الذاتي وتقليل التبعية الخارجية.
وحدة وطنية وسيادة حقيقية:
رفض أي حكومة أو سياسة تدعو إلى تجزئة العراق وخلق مناطق متنازع عليها، والعمل على إزالة المواد الدستورية التي أُضيفت لهذا الغرض.
الترحيب بدعم المجتمع الدولي في تشجيع العراقيين في الداخل على انتخاب حكومة انتقالية ضمن قوانين محددة تهدف إلى تمكين العراق من السيادة على نفسه، كخطوة تمهد لدستور كامل وحكومة تخدم الجميع.
كما أننا نؤكد أن ممثلية الأمم المتحدة الموجودة في العراق تزيف الحقائق على المجتمع الدولي وعلى الأمم المتحدة، مع العلم أن هذا المجتمع يعلم الحقائق وهو من يصنف العراق بتصنيفات كثيرة من الفساد وغسيل الأموال.
خاتمة: صحوة وطن نحو المستقبل
إن العراق يقف اليوم على مفترق طرق. فإما أن يستمر تحت وطأة منظومة فاسدة فرضت عليه التجزئة والتبعية، وإما أن ينهض بقيادة أبنائه المخلصين. تجمع أهل العراق يدعو إلى تنظيم جماهيري حقيقي كقوة ضغط سلمية، لا تهدف إلى العنف أو الثورات المضللة، بل إلى المطالبة بتغيير حقيقي عبر قوانين تخدم العراقيين وتضمن لهم السيادة.
إن المقاطعة التي ندعو إليها ليست سلبية، بل هي مقاطعة إيجابية تهدف إلى إيجاد السبل لتحقيق ما يصبو إليه الشعب من سيادة حقيقية وكرامة. نحن نؤمن بأن العراق يستحق الحياة الحرة والكريمة، في ظل منظومة تمكنه من التعليم الحقيقي والصحة والعدالة والمساواة، وجيش يحمي حدوده، ومنظومة داخلية تمنح الأمن والأمان. إنها دعوة لصحوة وطنية شاملة، تُعيد للعراق مكانته كوطن موحد وسيد نفسه، بعيدًا عن أي تبعية أو فساد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار