بِدَايَة
هاجر الجراش
فِي تَمَامِ السَّاعَةِ الثَّانِيَةَ عَشَرَ مَسَاءً، وَعَلَى نَافِذَةِ الْمَنْزِلِ الْمُطِلَّةِ عَلَى شَوَارِعِ الْحَيِّ، لِكُلِّ مَنْزِلٍ قِصَّةٌ مُخْتَلِفَةٌ. فَهُنَاكَ مَنْزِلٌ مُظْلِمٌ وَالْجَمِيعُ نِيَامٌ، وَآخَرُ مُضِيءٌ وَفِيهِ رَجُلٌ عَجُوزٌ قَامَ لِلصَّلَاةِ وَمُنَاجَاةِ رَبِّهِ، وَأَحَدُهُمْ أَضْوَاؤُهُ خَفِيفَةٌ، كَأَنَّهُ احْتِفَالٌ بِعِيدِ مِيلَادٍ أَوْ زَوَاجٍ، وَهُنَاكَ فِي آخِرِ الْحَيِّ مَنْزِلٌ فِيهِ ضَوْءٌ خَافِتٌ وَصَوْتُ آهاتٍ تَعْلُو كُلَّمَا اقْتَرَبَ اللَّيْلُ مِنَ السُّكُونِ. فَعِندَ هُدُوءِ اللَّيْلِ يَهْدَأُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْأَلَمَ، فَهُوَ يَصْحُو وَيَزْدَادُ.
أَمَّا عَلَى الْيَمِينِ، فَهُنَاكَ مَنْزِلٌ لِطَالِبٍ جَامِعِيٍّ فِي قِسْمِ الطِّبِّ، فَأَضْوَاءُ مَنْزِلِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَدَيْهِ اخْتِبَارَاتٍ جَامِعِيَّةً، وَهُنَاكَ مَنْزِلٌ مُغْلَقَةٌ أَضْوَاؤُهُ وَلَكِنَّ الهمَّ لَمْ يَجْعَلْ صَاحِبَهُ يَنَامُ. أَمَّا أَنَا، فَبَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ أَنْظُرُ إِلَى النَّافِذَةِ وَأَنْظُرُ إِلَى عُلْبَةٍ قَدْ كُنتُ خَبَّأْتُهَا الْبَارِحَةَ وَلَا أُرِيدُ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ. وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، تَمَّ تَشْيِيعُ جُثَّةِ فَتَاةٍ كَانَتْ كَثِيرًا مَا تَظَلُّ تَرَى لِلْخَارِجِ مِنَ النَّافِذَةِ.
الكلُّ يَتَهَامَسُونَ: “لَقَدْ كَانَتْ فَتَاةً طَيِّبَةَ الْقَلْبِ”، يَقَاطِعُهُ آخَرُ: “وَلَكِنَّهَا كَانَتْ مُعَقَّدَةً كَأَنَّهَا عَجُوزٌ فِي عُمْرِ التَّسْعِينَ”. آخَرُ يَقُولُ: “كَيْفَ مَاتَتْ؟! إِنَّهَا صَغِيرَةٌ فِي الْعُمْرِ، رُبَّمَا أَنَّهَا مَاتَتْ حَزَنًا عَلَى حَبِيبٍ تَرَكَها”. وَفِي وَسَطِ الْكَلَامِ، قَالَ آخَرُ: “أَظُنُّ أَنَّهَا مَاتَتْ مُنْتَحِرَةً، فَقَدْ أَخْبَرَتْنِي زَوْجَتِي أَنَّهُ كَانَ يَبْدُو عَلَيْهَا عَلاَمَاتُ الْمَوْتِ مِنْ أَثَرِ سُمٍّ قَاتِلٍ”.
فِي مَنْزِلِهَا الَّذِي تَسْكُنُ فِيهِ الْكَثِيرُ مِنَ النِّسَاءِ؛ مِنْهُنَّ مَنْ تَبْكِي وَمِنْهُنَّ الصَّامِتَةُ، وَهُنَاكَ أُخَرٌ يَقْعُدْنَ مَعَ أَهْلِهَا وَيُخَفِّفْنَ عَنْهُمْ. صَدِيقَاتُهَا قَدْ أَغْرَقَتْ دُمُوعَهُنَّ الْأَرْضَ، فَقَدْ رَحَلَتْ صَدِيقَتُهُنَّ، وَفِي غُرْفَةٍ مُحْكَمَةِ الْإِغْلَاقِ، هُنَاكَ فَتَاةٌ تَصْرُخُ بِصَوْتٍ عَالٍ وَالْقَيُودُ فِي رِجْلَيْهَا، تَارَةً تَبْكِي وَأُخْرَى تَضْحَكُ.
مَرَّ الْيَوْمُ بِصُعُوبَةٍ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَأْتِي اللَّيْلُ الطَّوِيلُ بِبَرُودَتِهِ وَقَسْوَتِهِ. أُمِّي ظَلَّتْ طُولَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَهِيَ تَبْكِي وَتَنْظُرُ إِلَى النَّافِذَةِ، ثُمَّ تَذْهَبُ إِلَى غُرْفَةِ أُخْتِي تُطْعِمُهَا ثُمَّ تُعْطِيهَا الدَّوَاءَ، وَنَظَرَتْ إِلَى عُلْبَةِ الدَّوَاءِ وَازْدَادَتْ دُمُوعُهَا، فَهِيَ فَارِغَةٌ. ثُمَّ تَذْهَبُ إِلَى غُرْفَةِ أَخِي الصَّغِيرِ لِتُغَطِّيَهُ مِن شِدَّةِ الْبَرْدِ بِعَدَّةِ أَغْطِيَةٍ، فَكُلُّ الْأَغْطِيَةِ مُمَزَّقَةٌ، لَعَلَّ كُلَّ غِطَاءٍ مِنْهُمْ يُغَطِّي تَمَزُّقَ الْآخَرِ.
أَمَّا أَبِي، فَقَدْ ذَهَبَ كَعَادَتِهِ عِنْدَمَا يَحْزَنُ إِلَى الْخَارِجِ، يَبْكِي بِمَفْرَدِهِ ثُمَّ يَأْتِي إِلَى الْبَيْتِ فِي يَدِهِ قَارُورَةٌ زُجَاجِيَّةٌ رَائِحَتُهَا سَيِّئَةٌ، وَيَتَشَاجَرُ مَعَ أُمِّي بِسَبَبِ شُرْبِهَا، فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ مِن شِدَّةِ الثُّمَالِ، وَإِمَّا أَنْ يُبَرِّحَ أُمِّي ضَرْبًا.
يَنْتَهِي اللَّيْلُ الطَّوِيلُ لِيَأْتِي الصَّبَاحُ، وَلَازَالَ هُنَاكَ الْقَلِيلُ مِنَ الْحُزْنِ، وَلَكِنَّ الْحَيَاةَ هِيَ ذَاتُهَا. فَصَاحِبُ الْبَقَّالَةِ لَازَالَ كُلَّمَا وَجَدَ أَبِي يُذَكِرُهُ بِدُيُونِهِ وَيُهَدِّدُهُ إِذَا لَمْ يُسَلِّمْ مَا عَلَيْهِ فِي الْقَرِيبِ الْعَاجِلِ، فَلَن يُعْطِيَهُ كِسْرَةَ خُبْزٍ. وَهُنَاكَ عَلَى بُعْدِ أَمْتَارٍ، عِيَادَةٌ لِصَرْفِ الدَّوَاءِ مَجَّانًا لِلْمَرْضَى، وَلَكِنَّ الْكَثِيرَ يَرْجِعُونَ دُونَ فَائِدَةٍ كَوَالِدِي الَّذِي كَانَ كَثِيرًا مَا يَرْجِعُ دُونَ شَيْءٍ. أَمَّا فِي الْمَدْرَسَةِ الَّتِي تَبْعُدُ مَسَافَاتٍ عَنْ بَيْتِي، صَوْتُ النَّشِيدِ الْوَطَنِيِّ الَّذِي فِي كُلِّ يَوْمٍ يُلَحَّنُ مِن قِبَلِ الطَّالِبَاتِ. صَدِيقَاتِي حَزِينَاتٌ لِفِرَاقِي، الْمُعَلِّمَاتُ فِي الْمَدْرَسَةِ قَرَأْنَ الْفَاتِحَةَ عَلَى رُوحِي الَّتِي حَلَّقَتْ بَيْنَ نُجُومِ اللَّيْلِ، وَحَوْلَ الْقَمَرِ حِينَ اكْتِمَالِهِ. لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ بِرَحِيلِي، وَبَعْدَ مُدَّةٍ تَتَجَاوَزُ الثَّلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَظُنُّهَا يَوْمَانِ، كُلَّ من يَعّرِفُوني لَمْ يَعُودُوا يَتَذَكَّرُونَ شَيْئًا عَنِّي، وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ فَنَسِيَتْ أُمِّي كُلَّ مَا يَخُصُّنِي. ثِيَابِي الْعَادِيَّةُ الَّتِي تُعَدُّ بِالْأَصَابِعِ ذَهَبَتْ بِهَا أُمِّي إِلَى إِحْدَى صَدِيقَاتِهَا لِكَيْ تُعْطِيَهُنَّ لِفَتَاةٍ أَقَلَّ حَالًا مِنِّي، فَلَمْ تَجِدْ سِوَى فَتَاةٍ فَقَدَتْ كُلَّ أَهْلِهَا وَتَعْمَلُ فِي تَنْظِيفِ السَّيَّارَاتِ. لَبِسَتْ وَاحِدَةً وَالْأُخْرَيَاتُ تَمَّ اسْتِخْدَامُهُنَّ فِي التَّنْظِيفِ، فَلَمْ تَعُدْ صَالِحَةً لِلْلُّبْسِ.
أَقْلَامِي وُزِّعَتْ عَلَى صَدِيقَاتِي الْمُقَرَّبَاتِ لِكَيْ يَحْتَفِظْنَ بِهِنَّ لِلذِّكْرَى، أَوْرَاقِي وَكُتُبِي أُحْرِقَتْ.
وَمَرَّتِ الْأَعْوَامُ الطَّوِيلَةُ، تَخَرَّجَتْ كُلُّ صَدِيقَاتِي مِنَ الثَّانَوِيَّةِ وَسُطَ احْتِفَالٍ كَبِيرٍ. وَذَهَبَتْ كُلٌّ مِنهُنَّ إِلَى طَرِيقٍ مُخْتَلِفٍ، مِنْهُنَّ مَنْ دَرَسَتِ الطِّبَّ وَالْبَعْضُ الْهَنْدَسَةَ وَأُخَرَيَاتٌ تَدْبِيرَ مَنْزِلي. أَمَّا عَنْ عَبِيرَ، فَقَدْ تَخَصَّصَتْ فِي عِلْمِ النَّفْسِ كَمَا كَانَتْ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا سَتُعَالِجُنِي عِنْدَمَا تُصْبِحُ مُعَالِجَةً نَفْسِيَّةً، فَقَدْ كَانَتْ تَقُولُ عَنِّي أَنِّي مَرِيضَةٌ نَفْسِيَّةٌ. أَمَّا صَدِيقَتِي الْمُقَرَّبَةُ، فَقَدْ وَفَتْ بِمَا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ، فَقَدْ كُنَّا نُعَشِقُ عِلْمَ الْأَحْيَاءِ.
أَمَّا جَارُنَا الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ إِلَيَّ عِندَ دُخُولِي وَخُرُوجِي بِنَظَرَاتِ الْمُعْجَبِ الْمُحِبِّ، فَقَدْ تَزَوَّجَ وَأَقَامَ احْتِفَالًا كَبِيرًا.
وَأَنَا مُحَلِّقَةٌ أَطِيرُ فِي السَّمَاءِ بَيْنَ تَقَلُّبَاتِهَا بَيْنَ مَدٍّ وَجَزْرٍ، بَيْنَ فَرَحٍ وَحُزْنٍ، بَيْنَ حُبٍّ وَكُرْهٍ، بَيْنَ حَيَاةٍ وَمَوْتٍ، بَيْنَ جُوعٍ وَشَبَعٍ، بَيْنَ طِيبٍ وَخُبْثٍ، بَيْنَ لِينٍ وَقَسْوَةٍ، بَيْنَ أَشْهُرٍ مُبَارَكَةٍ وَأَشْهُرٍ يُحْتَفَلُ فِيهَا النَّاسُ. مُحَلِّقَةٌ فِي سَمَاءٍ، وَتَحْتَهَا أَرْضٌ وَاسِعَةٌ، وَكُلٌّ فِيهَا يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَيُحَاسَبُ فِيهَا كُلٌّ عَلَى مَا فَعَلَ.
وَفَجْأَةً، أَتَى طَيْرٌ كَبِيرٌ وَحَمَلَنِي بِقُوَّةٍ إِلَى بَيْتِي، إِلَى حَيْثُ نَافِذَتِي الَّتِي كُنتُ أَسْهَرُ وَأَنظُرُ إِلَيْهَا، وَرَمَى بِي بِقُوَّةٍ، شَعَرْتُ بِصَدَاعٍ يَكَادُ يَقْتُلُنِي، وَسَمِعْتُ صَوْتًا يُرَدِّدُ قَائِلًا: “اللَّهُ أَكْبَرُ! اللَّهُ أَكْبَرُ!” نَظَرْتُ إِلَى الْعُلْبَةِ، لَا زَالَتْ بِجَانِبِي. بِسُرْعَةٍ أَخَذْتُهَا وَأَفْرَغْتُهَا، وَأَفْرَغْتُ مَعَهَا كُلَّ مَا مَضَى وَلَنْ يَعُودَ، لِيَوْمٍ جَدِيدٍ خَالٍ مِنَ الْمَاضِي وَالْيَأْسِ وَالتَّفْكِيرِ.
زر الذهاب إلى الأعلى