إيران بين لغة الدفاع وثبات الموقف: قراءة في تصريحات رضا بحريني
✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
في ظلّ تصاعد المواجهة الإقليمية،
جاءت تصريحات مندوب إيران في الأمم المتحدة في جنيف، رضا بحريني، لتضع النقاط على الحروف، وتؤكد أن المرحلة لم تعد تحتمل المجاملات السياسية
بل تفرض معادلة واضحة عنوانها:
الدفاع أولًا.لغة الدفاع لا التفاوض.
حين يقول بحريني إن “اللغة الوحيدة للتعامل مع الولايات المتحدة الآن هي لغة الدفاع”، فهو لا يطلق شعارًا عاطفيًا، بل يعكس تحوّلاً في أولويات طهران.
فبرأيه، ليس هذا وقت التفاوض، بل وقت تثبيت معادلة الردع، خصوصًا في ظل ما وصفه بـ”التلفيق والكذب” الصادر عن ترامب.
هذه الرسائل تعني أن إيران ترى نفسها في مواجهة مفتوحة مع واشنطن وكيان الاحتلال، وأن أي حديث عن مسار سياسي مشروط أولًا بوقف العدوان وضمان عدم تكراره. فالقاعدة التي تُرسم اليوم ليست قاعدة مساومات، بل قاعدة منع العدوان بالقوة.
استهداف القواعد… لا الدول
أحد أهم ما ورد في حديث بحريني هو التأكيد أن العمليات الإيرانية تتركز حصريًا على القواعد العسكرية الأميركية، دون المساس بأي مواقع مدنية أو غير عسكرية في الدول المجاورة.
الرسالة هنا مزدوجة:
طمأنة الجوار بأن طهران لا تستهدفهم.
تحميلهم مسؤولية منع استخدام أراضيهم كمنصات عدوان.
إيران تقول بوضوح: المعركة ليست معكم، بل مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
وإن كانت القواعد على أراضيكم تُستخدم لضربنا، فإن الرد سيطال مصدر النيران لا الجوار.
ما بعد الحرب: الجغرافيا أقوى من السياسة
في سؤال جوهري عن شكل العلاقة مع الدول التي توجد فيها قواعد أميركية بعد انتهاء الحرب، كان جواب بحريني لافتًا: “نحن جيران وسنظل جيراناً، ونحن أصدقاء وسنظل أصدقاء”.
هذه العبارة تختصر فلسفة سياسية عميقة:
الجغرافيا ثابتة، والتحالفات متغيرة.
المصالح المشتركة باقية، أما القواعد العسكرية فهي عابرة.
طهران تراهن على أن دول المنطقة، مهما بلغت درجة انخراطها في الترتيبات الأميركية، ستدرك أن استقرارها الحقيقي لا يتحقق عبر الارتهان، بل عبر التوازن والتفاهم الإقليمي.
معادلة الردع وترسيخ السيادة
التصريحات تعكس قناعة إيرانية بأن الرد القوي هو الطريق الأقصر لوقف العدوان. فالنظام الدفاعي – كما قال بحريني – سيرد “بقوة شديدة وجدية” لضمان عدم تكرار أي هجوم مستقبلي.
وهنا تتبلور معادلة واضحة:
لا عدوان بلا ثمن.
لا استخدام للأراضي المجاورة لضرب إيران دون رد.
لا عودة لمسار سياسي قبل تثبيت قواعد الردع.
قراءة في المشهد الأوسع
ما يجري اليوم ليس مجرد تبادل ضربات، بل إعادة رسم لقواعد الاشتباك في المنطقة.
إيران تريد أن تقول إن زمن الضرب من طرف واحد انتهى، وإن أي حرب لن تكون نزهة عسكرية. وفي المقابل، تسعى إلى تجنب توسيع دائرة الاستهداف لتشمل المدنيين أو البنى التحتية غير العسكرية، حفاظًا على صورة “الدفاع المشروع” لا “الحرب المفتوحة”.
في المحصلة، العلاقة مع دول الجوار ستظل محكومة بعاملين أساسيين:
1- مدى استقلال قرارها الأمني.
2- قدرتها على منع استخدام أراضيها كمنصات عدوان.
فإذا انتصرت معادلة الردع، قد نشهد مرحلة جديدة عنوانها توازن الرعب المنضبط، أما إذا استمر التصعيد، فستدخل المنطقة في طور أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالاصطفافات السياسية.
والواضح أن طهران، وفق تصريحات مندوبها، اختارت أن ترسم خطاً أحمر:
الدفاع أولًا… ثم يأتي كل شيء بعده،
وفي الحالتين ستنتصر بقوة الله.
زر الذهاب إلى الأعلى