الرئيسيةالمقالات

العراق ليس ولاية عثمانية ولا ساحة لحروب الآخرين

العراق ليس ولاية عثمانية ولا ساحة لحروب الآخرين

البروفسور د ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي

في كل مرة يضعف فيها صوت الدولة العراقية، ترتفع من حولها همسات الطامعين. ومؤخراً، لم تعد هذه الهمسات خافتة؛ بل تحولت إلى خطوات على الأرض، وقواعد عسكرية، وضغوط اقتصادية، ورسائل سياسية مشفرة. تركيا تتحرك، إيران تترسخ، وأمريكا تراقب وتضغط…
بينما يُسأل السؤال الأكثر إزعاجاً: هل أصبح العراق مجرد ساحة تصفية حسابات؟
ما يجري اليوم ليس تنافساً عادياً بين دول، بل صراع إرادات على من يمسك بمفاصل الجغرافيا العراقية. ومن يعتقد أن هذه التحركات منفصلة عن بعضها، لا يفهم كيف تُدار المنطقة: فالعراق هو الجائزة الكبرى، ومن يثبت نفوذه فيه يعيد رسم ميزان القوة في الشرق الأوسط.

تركيا: حين يتحول “الأمن القومي” إلى جسر للتمدد

أنقرة لم تعد تكتفي بلعب دور الجار القلق. العمليات العسكرية المتكررة داخل الأراضي العراقية لم تعد تُقرأ كإجراءات حدودية مؤقتة، بل كسياسة فرض واقع. قواعد تتوسع، طائرات لا تغادر السماء، وخرائط أمنية تُرسم دون استئذان بغداد.
اللغة التركية تقول “ملاحقة الإرهاب”، لكن الجغرافيا تقول شيئاً آخر:
من يدخل الأرض مرة بحجة الأمن، قد يبقى فيها بحجة الاستقرار.
التجربة السورية ليست بعيدة؛ بدأت بتوغلات محدودة، وانتهت بمناطق نفوذ طويلة الأمد. والسؤال الصادم هنا:
هل تراهن أنقرة على أن الانقسام العراقي سيمنحها ما منحه لها الانهيار السوري؟
لكن من الخطأ أن تفترض تركيا أن العراق بلا ذاكرة. هذا بلد أنهكته الحروب، نعم، لكنه أيضاً بلد حساس تجاه أي مساس بسيادته، وقد أثبت التاريخ أن العراقيين قد يختلفون على كل شيء… إلا على رفض الوصاية عندما تصبح فجة.

إيران: النفوذ الذي لا يحتاج إلى دبابات
إذا كانت تركيا تتحرك بقوة النار، فإن إيران تتحرك بقوة التشابك. نفوذها في العراق لا يُقاس بعدد الجنود، بل بعمق الامتدادات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. طهران تدرك أن خسارة العراق ليست خسارة جار، بل خسارة خط دفاع استراتيجي.
لذلك، فهي تنظر بعين الريبة لأي تمدد تركي، لأن اقتراب أنقرة أكثر يعني اقتراب منافس من خاصرتها الغربية.
لكن المفارقة أن هذا النفوذ نفسه يمنح مبرراً دائماً لقوى أخرى كي تقول إنها جاءت “لتوازن إيران”، وهكذا يتحول العراق إلى ساحة توازنات لا تنتهي.
أمريكا: الحاضر الذي يدّعي الغياب
واشنطن قد تقلص جنودها، لكنها لم تقلص نفوذها. النظام المالي، العقوبات، التدريب العسكري، والغطاء السياسي… كلها أدوات تجعلها اللاعب الذي لا يمكن تجاهله.
الولايات المتحدة لا تريد عراقاً يقع بالكامل في الحضن الإيراني، ولا عراقاً تهيمن عليه تركيا، لكنها في الوقت ذاته لا تبدو مستعدة لدفع ثمن استقرار كامل. ما تريده هو توازن مُدار — لا غالب فيه ولا استقلال حقيقي.
بكلمات أبسط: عراق قوي جداً يزعج الجميع، وعراق ضعيف جداً يهدد الجميع… لذا يُترك في منطقة رمادية.

الخطر ليس في الأطماع… بل في قابلية الاختراق
دعونا نواجه الحقيقة دون تجميل:
_ الدول لا تتجرأ على التمدد إلا عندما تشم رائحة الفراغ.
_ الانقسام السياسي، اقتصاد يعتمد على الخارج، صراعات لا تهدأ، وقرار استراتيجي مرتبك — كل ذلك يرسل رسالة غير مكتوبة للعالم:
“الضغط هنا ممكن.”
لا تركيا ستتوقف بدافع الأخلاق،
ولا إيران ستتراجع بدافع المجاملة،
ولا أمريكا ستنسحب بدافع المثالية.
في السياسة، الاحترام يُنتزع ولا يُمنح.

وهم تحويل العراق إلى سوريا أخرى

من يظن أن السيناريو السوري قابل للاستنساخ يتجاهل حقيقة جوهرية: العراق ليس دولة واحدة الاتجاه. هو عقدة مصالح عالمية، وخزان طاقة، ومفترق طرق استراتيجي. أي محاولة للهيمنة عليه لن تمر بهدوء، بل ستشعل صراع توازنات قد يحرق أصابع الجميع.
لكن التحذير الأهم هو هذا:
العراق قد لا يسقط دفعة واحدة… بل قد يُستنزف تدريجياً حتى يعتاد فكرة أن انتقاص السيادة أمر طبيعي.
وهنا تبدأ الهزيمة الحقيقية — حين يصبح الخرق خبراً عادياً.
لحظة الصراحة القاسية
المشكلة ليست أن الآخرين يتنافسون؛ فهذه طبيعة الجغرافيا.
المشكلة أن العراق لم يحسم بعد: هل يريد أن يكون دولة أم ساحة؟
الدولة تُعرف من قدرتها على قول “لا” عندما يجب أن تُقال،
لا من براعتها في إدارة الأزمات بعد وقوعها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس توغل قوة أجنبية، بل أن يتحول ذلك إلى رقم في نشرات الأخبار لا يثير الغضب.

خاتمة أقرب إلى الإنذار..
العراق اليوم يقف عند حافة معادلة خطيرة:
إما أن يفرض نفسه لاعباً يُحسب له حساب،
أو يستمر كأرض تتقاطع فوقها أقدام الآخرين.
التاريخ لا يرحم الدول المترددة، والجغرافيا لا تحمي الضعفاء.
ومن يعتقد أن بلداً بهذا الوزن يمكن أن يُترك خارج مشاريع النفوذ، يعيش وهماً كبيراً.
العراق ليس غنيمة، لكن الغنائم غالباً لا تُعلن عن نفسها… بل تُؤخذ من أصحابها حين ينشغلون عنها.

البروفسور د ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار