العراق بين مصيدة “الخداع والتخادم”: دراسة في أبعاد أزمة السيادة والهوية (4 يوليو 2025)
إعداد الكاتب والباحث/ عدنان صگر الخليفه
مقدمة
يواجه العراق، منذ عام 2003، تحديات بنيوية عميقة تتجاوز الصراعات الداخلية لتشمل أبعاداً معقدة من التدخلات الخارجية والتواطؤ. فبالرغم من العقوبات الدولية المتتالية التي تستهدف ما يُفترض أنه قنوات الفساد وتمويل الجماعات غير الحكومية، يظل الواقع العراقي مأزوماً، حيث تستمر الحكومات المتعاقبة في الفساد وتبديد الثروات وقمع الشعب، دون أن يطرأ تغيير جوهري. يهدف هذا البحث إلى تحليل التناقض الصارخ بين الخطاب الدولي المُعلن والممارسات الفعلية، وكيفية إسهام “الخداع والتخادم” الدولي والإقليمي في إدامة الأزمة العراقية، مع استكشاف الآثار على الهوية الوطنية وسبل الخلاص.
الفصل الأول: تناقض الأطر الدولية وواقع الفساد العراقي
تُفرض عقوبات أمريكية متزايدة على شبكات تهريب تُتهم بتمويل الاقتصاد الإيراني عبر العراق، مستخدمة شركات وهمية وشخصيات محددة مثل سالم أحمد سعيد في تهريب النفط الإيراني مموهاً على أنه عراقي. ورغم هذه الإجراءات، يظل نفوذ هذه الشخصيات قائماً ضمن المنظومة العراقية الحاكمة، مما يثير تساؤلات حول فعالية هذه العقوبات في بلد يُصنف ضمن الأعلى فساداً. فمسؤولية شركات مثل سومو عن النفط العراقي تتقاطع مع استمرارية هذا التهريب، ما يشي بوجود تواطؤ داخلي يتجاوز قدرة العقوبات على التأثير الجذري.
يتجلى التناقض الأبرز في مرونة مفهوم “الإرهاب” ذاته، فبينما يُصنف البعض كإرهابيين، يتحولون إلى شخصيات سياسية مقبولة عند تغير المصالح، كما حدث مع أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، الذي بات يُنظر إليه كـ”رجل فولاذي” ومقبول لدى دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، وقوى إقليمية ودولية. هذا التحول، إضافة إلى سوابق مثل تسليم أفغانستان لحركة طالبان بعد عقود من الصراع، يؤكد أن المصالح هي المحدد الأسمى للسياسات الدولية. هذا الواقع يعمق قناعة لدى الشعوب بأن القوى الغربية تستغل مقدرات الدول عبر حكام متواطئين، ويتجلى ذلك في ازدواجية المعايير تجاه القضية الفلسطينية، حيث تُدعم إسرائيل بينما يُوصف الفلسطينيون بـ”الإرهابيين”. كما أن السلوك الإيراني، بالرغم من ادعاءات الدفاع عن العرب، يظهر انحيازه للمصالح الذاتية، كما في عدم ردها الفعال على ما يجري في غزة إلا عند تعرضها لهجوم مباشر.
الفصل الثاني: “الخداع والتخادم” وآثاره على السيادة والهوية
إن الفساد في العراق ليس عشوائياً، بل هو جزء من “برنامج كامل لتوزيع الحصص ونهب المقدرات”، تديره الأحزاب المتحكمة، كما يظهر في عقود مثل حقل غاز عكاز مع شركة كورية يُزعم أنها وهمية، بوساطة سالم أحمد سعيد والحزب الحاكم في الأنبار وشخصيتيه البارزتين. هذا يؤكد أن المشكلة هيكلية ومتجذرة في المنظومة السياسية.
المسؤولية الأعمق تقع على عاتق المنظومة الدولية، التي أوجدت النظام العراقي الحالي عام 2003 وتبجحت بكونه نظاماً ديمقراطياً. فإذا كان هذا النظام نتاجها، فهي مسؤولة عن استمراره وعواقبه. إحاطات الممثلة الرسمية للأمم المتحدة، جنين بلاسخارت، لمجلس الأمن الدولي، وثّقت وبشكل رسمي وعلني أن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تساهم إلا في قتل العراقيين ونهب ثرواتهم واستباحة حدودهم، وأن الفساد مستشرٍ. ورغم هذه المعرفة الموثقة، يظل العراق على حاله، بل وتُمدح هذه الحكومات في سياقات أخرى. هذا السكوت والتقاعس يؤكدان وجود “خداع وتخادم”؛ فالنظام الفاسد يخدم مصالح مشتركة للمجتمع الدولي، ويشير إلى تواطؤ بين من يدعي تحقيق السلام ومن يمارس السيطرة.
يتجسد هذا التخادُم في فرض استقطاب حاد على العراقيين: إما الانحياز لإسرائيل أو لإيران. هذا التخيير القسري، الذي تفرضه المنظومة الدولية، يهدف إلى تجريد العراقيين من هويتهم الوطنية، وإلغاء مفهوم الحياد أو الولاء للوطن، وتصوير الكيان الإسرائيلي كـ”مخلص” من النفوذ الإيراني، في قلب للمفاهيم التاريخية والمواقف الوطنية. هذا الخيار المزدوج يهدف إلى إدامة صراع النفوذ وخدمة أجندات خارجية، مما يحول العراق إلى ساحة حرب بالوكالة، ويُبقي على الشعوب منقسمة وضعيفة، عاجزة عن محاسبة الأنظمة الفاسدة التي تدعمها القوى الدولية.
الخاتمة
إن الواقع العراقي، الذي يتسم بالفساد المستشري، وازدواجية المعايير الدولية، وفرض الاستقطاب، هو نتاج مباشر لـ”الخداع والتخادم” بين القوى الدولية والإقليمية والأنظمة المحلية الفاسدة. هذا الوضع، الذي يعلمه العالم بأسره ويُوثق رسمياً، يستمر لأنه يخدم مصالح مشتركة لهذه الأطراف، مما يقود إلى تآكل السيادة الوطنية وتشويه الهوية العراقية.
لا خلاص للشعب العراقي والشعوب الأخرى من هذه المنظومات الظالمة إلا بـ*”الاستيقاظ”* و*”العمل المنظم”* لتحرير أنفسهم. يتطلب هذا الوعي الوطني أن يلتف العراقيون حول قيادات حقيقية من صلب شعبهم، وأن يرفضوا بشكل قاطع كل الأحزاب التي ساهمت في الفساد والنهب منذ عام 2003، وكل المروجين للانتخابات التي لا تمثل إرادتهم. هذا التنظيم الشعبي والقوة الموحدة ستكون كفيلة بفرض “الأمر الواقع” على المنظومة الدولية، لإجبارها على الوقوف إلى جانب الشعب العراقي في سعيه نحو السيادة الحقيقية والعدالة، بدلاً من التواطؤ مع من يقمعه.
زر الذهاب إلى الأعلى