الرئيسيةالمقالات

أمنُ الفقراءِ بَيْنَ مَطْحَنَةِ الفَسَادِ وَمَزَادِ السِّياسَة

أمنُ الفقراءِ بَيْنَ مَطْحَنَةِ الفَسَادِ وَمَزَادِ السِّياسَة

بقلم/عدنان صگر الخليفه


في الوقت الذي يسجل فيه العراق موازنات مالية وُصفت بالانفجارية، تبرز مفارقة أمنه الغذائي كواحدة من أعقد ملفات الفساد والمحاصصة. يتناول هذا المقال بعمق التحولات التي طرأت على البطاقة التموينية، وكيف تحولت من طوق نجاة في زمن الحصار إلى وسيلة لإذلال المواطن واستنزاف الخزينة في زمن الوفرة، مسلطاً الضوء على سياسة “الإلهاء” التي تتبعها القوى المتنفذة لإبقاء العراقيين في دوامة الركض خلف لقمة العيش.

لقد غدا الحديثُ عن “البطاقة التموينية” في العراق يبعثُ في النفسِ شجناً عميقاً وشعوراً بالخجل، لا لكون المطالبة بالحقِّ نقيصةً، بل لأنَّ وصولَ الحالِ بالمواطن في بلاد الميزانياتِ الانفجارية والخيراتِ التي لا تنضب إلى انتظارِ “فُتاتٍ” من سلعٍ غذائية رديئة، يُمثلُ طعنةً نافذةً في صميم كرامة هذا الشعب الأبيّ. إنَّ المتأملَ في مسيرةِ هذا النظامِ الغذائي يلحظُ مفارقةً تاريخيةً موجعة؛ إذ نشأت هذه البطاقةُ في أوجِ سنوات الحصار المُرِّ لتكونَ صمامَ أمانٍ يحفظُ للناسِ رمقهم بحدودِ الكفايةِ والنزاهة الإدارية، إلا أنها اليوم، في ظلالِ “الديمقراطية” الموعودة والانفتاحِ المالي، استُحيلت إلى أداةٍ للتجويعِ الممنهج ومعبراً لملءِ جيوبِ الفاسدين.
​وما يثيرُ الريبةَ والاستهجان هو تلك الفجوةُ الرقمية الهائلة بين واقع التعداد السكاني الذي يربو على خمسةٍ وأربعين مليوناً، وبين بيانات وزارة التجارة التي تسقطُ من حساباتها ملايين المواطنين تحت ستار “الأتمتة” والتدقيق التقني، في عملية “قضمٍ” مفضوحة لحقوق العوائل والمواليد الجدد الذين يُحرمون من أبسطِ مستحقاتهم الحياتية. إنَّ رهنَ وزارةِ التجارةِ لتكون “إقطاعيةً سياسيةً” أو حصةً خالصةً لجهاتٍ توظفُ الرموزَ الدينية والتاريخية في الخطاب السياسي، يُعدُّ ذروة الاستخفافِ بالوعي الشعبي؛ حيثُ تُدارُ مقدراتُ هذه الوزارة خلف كواليسِ المصالح الضيقة، لتتحولَ السلةُ الغذائية من حقٍ دستوري مكفول إلى مَنَّةٍ موسمية تُوزع بنقصٍ حادٍ في الأوزان ورداءةٍ في النوعية، فضلاً عن انقطاعاتٍ متكررة تذهبُ تخصيصاتها المليارية لتمويلِ كياناتٍ سياسية تقتاتُ على وجع الناس.
​ولا يقتصرُ هذا الحيفُ على لقمةِ العيش فحسب، بل يمتدُّ ليطالَ كُلَّ ركائزِ الحياة؛ فالمواطنُ يجدُ نفسه اليومَ مكبلاً بالقلق على صحته وتعليم أبنائه، وحتى على راتبه الشهري الذي تُبشرُ السلطاتُ بتأمينه وكأنه هبةٌ لا استحقاق، في استراتيجيةٍ واضحة لإشغالِ الفردِ بتأمين قُوتِه اليومي وتغييبه عن مراقبةِ النهب المنظم لمستقبل بلاده. إنَّ هذا النهج الذي يسعى لتجريدِ المواطن من حقوقه وجعلِ حياته سِلسلةً من الأزمات المفتعلة، يضعنا أمام تساؤلٍ مصيري حول جدوى البقاءِ في ظلِّ منظومةٍ لم تُنتج منذ عقدين سوى التآكلِ في السيادة والكرامة.
​فهل سيبقى قَدَرُ العراقيِّ رهينةً بيد من يكدسون الثرواتِ ويُفرغون الخزائن، أم أنَّ الوعي الشعبي سيكسرُ هذه الدائرة المغلقة؟ إنَّ الاستحياءَ الذي يغمرُ المواطن عند الحديث عن هذه المآسي هو في حقيقته إدانةٌ كبرى لمن فقدوا حياءهم من سُرَّاق القوت، فقد آن الأوانُ لتشخيصِ الخللِ بوضوح: إنها أزمةُ أخلاقٍ وإدارة قبل أن تكون أزمة موارد، في وطنٍ يُسرق فيه الجائعُ ليزدادَ المتخمُ تخمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار