الرئيسيةالمقالات

الهوية الشيعية في الشرق الأوسط إخفاق القراءة الغربية ومقاومة الحضارة

الهوية الشيعية في الشرق الأوسط إخفاق القراءة الغربية ومقاومة الحضارة

علاء الطائي

نشرت مجلة “فورين أفيرز” في عددها الصادر في 10 كانون الأول/ديسمبر 2025 مقالاً تحليلياً بعنوان “ما بعد محور المقاومة استمرار قوة الهويّة الشيعية في الشرق الأوسط” للكاتبين ماريا فانتاپي وڤالي نصر.
ورغم أهمية المقال في تسليط الضوء على استمرارية هذه الهوية إلا أنه يظل – مثل كثير من الأدبيات الغربية – أسير النظرة الأمنية والجيوسياسية الضيقة التي تختزل كياناً تاريخياً وحضارياً معقداً في إطار “تحالفات عابرة” وتغفل عن جذوره الاجتماعية والروحية والثقافية الأعمق.

١. الهوية الشيعية.
مشروع حضاري متواصل

يغفل التحليل الغربي السائد أن الوجود الشيعي ليس مجرد “طائفة” سياسية حديثة بل هو امتداد لمشروع حضاري له جذوره الراسخة.
من إسهامات الدولة الفاطمية في بناء المؤسسات العلمية إلى دور حوزات النجف وقم كمراكز إشعاع فكري وديني عبر القرون وصولاً إلى المشاركة الفاعلة في تراث الأمة الفلسفي والعلمي.
هذا العمق الحضاري هو مصدر الصمود الأساسي الذي يحوّل التحديات المعاصرة إلى محطات في مسار طويل وليس نهايات.

٢. صمود مجتمعي .
الابتكار رغم الحصار

أظهرت المجتمعات الشيعية وعلى رأسها إيران مرونةً وقدرةً ملحوظة على الابتكار المؤسسي والتكيف رغم عقود من الحصار والضغوط.
التقدم في مجالات التكنولوجيا الدفاعية والتكيف الاقتصادي ليس مجرد رد فعل أمني بل تعبير عن إرادة مجتمعية منظمة وقادرة على تحويل التحديات إلى حافز للتطوير. إن تعاقب الإدارات الأمريكية والتهديدات الإقليمية لم يفضِ إلا إلى مزيد من التماسك الداخلي والإصرار على حماية الخيارات الذاتية.

٣. استمرارية المؤسسة الدينية . آليات التجدد الذاتي

تتعامل القراءة الغربية مع المؤسسة الدينية الشيعية (المرجعيات والحوزات) ككتل سياسية قابلة للانقسام بعد رحيل الشخصيات الكاريزمية.
وهذا تجاهلٌ صارخ لطبيعة هذه المؤسسات القائمة على التوريث العلمي المنظم والاستقلالية المجتمعية.
النجف وقم ليستا ساحتَي صراع بل منظومتان فكريتان تمتلكان آليات داخلية للتجدد وضمان الاستمرارية حيث تمتزج العقيدة بالحياة اليومية للمجتمع بشكل عضوي.

٤. محور المقاومة .
تعبير عن إرادة وليس هيكلاً هشاً

يوصف “محور المقاومة” في الخطاب الغربي غالباً تحالف هش قابل للتفكيك بضربة عسكرية.
لكن هذا يتجاهل حقيقة أنه تعبير عن تحالف إرادات مجتمعية ترفض الهيمنة وتدافع عن كرامتها.
قدرة هذه الشبكة على إعادة الهيكلة والتكيف التكتيكي في وجه الضغوط هي دليل على مرونتها لا على ضعفها.
كما أن استهداف المدنيين في مناطق النفوذ الشيعي يعزز عملياً الإحساس بالمظلومية والتمسك بخيار المقاومة.

٥. الخطأ الاستراتيجي .
معالجة الأعراض وإهمال الجذور

ترتكب السياسات الغربية والخليجية الحالية الخطأ الجوهري نفسه الذي ساهم في تشكّل الظاهرة التي تحاول كبحها .
فهي تتعامل مع الشيعة كتهديد يجب احتواؤه بدلاً من الاعتراف بهم كشركاء في الوطن والمنطقة. سياسات نزع السلاح دون إعادة إعمار والضغط لقطع العلاقات مع إيران ودعم أنظمة تستثني الشيعة سياسياً واقتصادياً كلها تعزّز شعوراً عميقاً بالتهميش وتدفع نحو مزيد من الانكفاء الهوياتي والتمسك بالخيارات الدفاعية.

٦. المستقبل .
نحو نموذج اندماجي عادل

لا يمكن بناء استقرار دائم في الشرق الأوسط على أساس القمع أو الاستبعاد.
البديل يكمن في بناء أنظمة عادلة تشاركية.

· في لبنان .
دمج القوى السياسية والاجتماعية الشيعية في الاقتصاد الوطني.

· في العراق .
الاعتراف بشرعية علاقاتها الإقليمية المتنوعة.

· في الخليج .
فتح حوار جاد مع إيران لمعالجة الملفات الأمنية والنووية بشكل متوازن.
التجاهل سيؤدي إلى تفجيرات جديدة بينما الدمج العادل سيوجّه الطاقات الهائلة لهذه المجتمعات نحو البناء والاستقرار.

بالختام.. ما وراء التحالفات العابرة

تكشف القراءة المعمقة أن قوة الوجود الشيعي لا تستمد من “المحور” العسكري وحده بل من ثلاثية .
.العمق التاريخي
. والتماسك الاجتماعي
. والإرادة السياسية لمجتمعات ترفض أن تكون مجرد أدوات في هندسات القوى الكبرى.
إن أي تحليل يستبعد هذا البُعد الحضاري والهوياتي محكوم عليه بالفشل في التنبؤ والاستجابة.
الاستقرار الحقيقي في المنطقة لن يتحقق بضرب تحالفات بل بفهم الاعتراف بأن مستقبل الشرق الأوسط يجب أن يُبنى مع جميع مكوناته وبما يليق بتاريخها وحضارتها.
علاء الطائي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار