عندما يصبح القانون الدولي “قانون غاب”: من مقاطعة الأمم المتحدة إلى تدمير الداخل العراقي
27/ايلول/2025
بقلم/عدنان صگر الخليفه
إن المشهد في قاعة الأمم المتحدة، حيث غادرت الوفود فور صعود بنيامين نتنياهو إلى المنصة، هو صرخة صامتة وقوية تكشف عمق أزمة العدالة في النظام الدولي. لم يعد هذا الفعل مجرد احتجاج على سياسات الاحتلال، بل هو رفض لآلية عمل نظام يسمح لـ “قانون القوة” بالانتصار على القانون والمواثيق. فالقانون الذي وُجد للحماية، لا الالتهام، يُحوَّل في مجلس الأمن إلى أداة انتقائية؛ حيث يُستخدم حق النقض (الفيتو) كدرع حصانة سياسية تمنع محاسبة الحلفاء، وتُعطِّل الإرادة الدولية بالإجماع. هذا التناقض الجذري يُفقد الأمم المتحدة شرعيتها ويجعلها تبدو كغطاء شرعي لـ “ديكتاتورية الأقطاب” التي تفرض إرادتها بالدعم أو العقاب. هذا الشعور بالإحباط هو ما يدفع العالم نحو تكتلات بديلة مثل منظمة شنغهاي للتعاون، بحثاً عن نظام متعدد الأقطاب يكون فيه القرار جماعياً لا مفروضاً.
المأساة الكبرى هي أن هذا النموذج الفاسد للعدالة الدولية يُعاد إنتاجه وتطبيقه في الداخل، ليصبح مرآة منعكسة على الأنظمة السياسية المحلية في دول مثل العراق. فتماماً كما يُضرب بإجماع الدول عرض الحائط دولياً، تستخدم الطبقة السياسية المتنفذة نفوذها لـ إلغاء إرادة الشعب محلياً. القوانين والقرارات التي تخدم مصالح هذه الفئة تُمرر رغماً عن اعتراضات الشارع، وكأن هذه النخبة تستلهم مبدأ “القوة تصنع الحق ولا تعاقب”. هذا النمط يتجلى بأوضح صوره في الحديث عن “الحفاظ على المكتسبات”؛ وهو مصطلح لا يعني حماية مكتسبات الشعب، بل تثبيت نفوذ ومكاسب الفئة السياسية المتحكمة بالقرار والمال. ولضمان استمرار هذه المكاسب، لا تتردد النخبة المتفقة على تقاسم السلطة في اللجوء إلى تكتيك صناعة الفتنة والصراع الطائفي، حيث يتم تضخيم الخلافات لتوريط المجتمع في اقتتال داخلي. وبذلك، يصبح دم الشعب هو الثمن الذي يُدفع لضمان بقاء النفوذ السياسي والاقتصادي للقلة المتحكمة. إن الفشل في تحقيق العدالة دولياً يغذي غيابها محلياً، مؤكداً أن العدالة لن تتحقق إلا بإنهاء سيطرة “قانون القوة” على جميع المستويات.
زر الذهاب إلى الأعلى