لن تُدار الأزمة بل ستُخاض المواجهة:
قراءة استراتيجية في التصعيد بين إيران والغرب
علاء الطائي
مدخل:
في عالم يشهد تآكلًا تدريجيًا لقيم ما بعد الحرب العالمية الثانية تعود أدوات القوة العارية إلى الواجهة.. لم تعد مفاهيم مثل “حقوق الإنسان” و”العدالة الدولية” سوى أوراق ضغط يتم توظيفها انتقائيًا لتصبح مظلّة خطابية تخدم مصالح الغرب أكثر مما تعبّر عن مبادئ كونية خصوم الغرب الذين طالما وُصِفوا بالمارقين لم يعودوا يرون في تلك القيم إلا غطاءً لمشروع هيمنة فقد بوصلته الأخلاقية والسياسية.
في المقابل تقف إيران اليوم لا كدولة منعزلة بل كفاعل إقليمي صاعد استطاع أن يحوّل التهديدات إلى حوافز للتمكين والعزلة إلى فرص لبناء استقلالية استراتيجية ومن خلفها يتموضع محور إقليمي رغم التناقضات الظاهرة بين أطرافه توحّده قناعة راسخة.. رفض الهيمنة الغربية وأدواتها التقليدية.
أولًا:
المشهد الغربي – لحظة الانكشاف
تشهد القوى الغربية وبالأخص أوروبا حالة من الانكشاف الاستراتيجي غير المسبوق…
-تحوّلت الحرب في أوكرانيا من أداة لمحاصرة روسيا إلى عبء أمني واقتصادي دون أفق للحسم.
-العلاقة مع الصين تميل نحو التصعيد الاقتصادي لكنها تُدار بحذر سياسي يعكس فقدان الغرب لثقة المبادرة.
-أحداث غزة كشفت عن التناقض الصارخ بين الخطاب الأخلاقي والممارسة السياسية الغربية وأثّرت سلبًا على شرعية “القيم الليبرالية” في أعين شعوب المنطقة.
-واليوم يلوح الملف الإيراني في الأفق كمفجّر محتمل لتصعيد واسع دون وجود استراتيجية غربية متماسكة للتعامل معه.
في هذا السياق تواصل الولايات المتحدة الضغط وتدفع إسرائيل نحو التصعيد فيما تبدو أوروبا مرتبكة عاجزة عن صياغة موقف مستقل واقعة بين الخضوع للمظلة الأمريكية والخشية من تداعيات المواجهة الشاملة.
ثانيًا:
المشهد الإيراني – من الردع إلى المبادرة
لم تعد إيران بعد أكثر من أربعة عقود من العقوبات والضغوط تراهن على الغرب أو تنتظر تسوية تأتي من واشنطن أو العواصم الأوروبية بل يبدو أنها وصلت إلى قناعة استراتيجية مفادها
“كل تهديد هو فرصة وكل عقوبة اختبار وكل عزلة تمكين.”
وبناءً عليه استطاعت أن..
-تحصّن جبهتها الداخلية رغم محاولات الإرباك والاختراق.
-تعزّز حضورها الإقليمي والدولي عبر شبكة من الحلفاء الفاعلين في الميدان.
-تتقدم في برنامجها النووي والصاروخي إلى ما يشبه “نقطة اللاعودة”.
-تؤسس معادلة ردع غير تقليدية جعلت كلفة أي ضربة عسكرية على طهران أعلى بكثير من فوائدها المفترضة.
-ما تملكه إيران اليوم ليس فقط قدرة على الصمود بل قدرة على فرض أثمان باهظة في حال اندلاع الحرب.
ثالثًا:
العد التنازلي نحو المواجهة
كل المؤشرات تُظهر أن الغرب – تحت ضغط الفشل في احتواء إيران عبر الأدوات التقليدية – بات يقترب من تبنّي خيار عسكري لا انطلاقًا من الجهوزية بل انطلاقًا من انسداد البدائل.
لكن السيناريو القادم مختلف جذريًا عن نماذج سابقة العراق 2003 أو ليبيا 2011..
-إيران ليست معزولة دوليًا كما يحاول البعض تصويرها.
-الحرب المحتملة لن تكون محدودة بل ستشمل الإقليم بأكمله من البحر المتوسط إلى مضيق هرمز.
-الرد الإيراني لن يكون دفاعيًا فقط بل هجوميًا وفق مبدأ..
“الحرب لا تُحتوى.. بل تُنقل إلى عمق العدو.”
وعليه فإن أي مغامرة عسكرية ستفتح بوابات صراع إقليمي واسع متعدد الجبهات وغير قابل للحسم السريع أو المراقبة من مسافة آمنة.
رابعًا:
الاستنتاج الاستراتيجي
الغرب وهو يلوّح بالزناد يبدو أنه..
-لا يملك إرادة موحدة للمواجهة.
-ولا يمتلك خطة شاملة لما بعد الضربة.
-ويعيش أزمة ثقة متبادلة بين أطرافه.
في المقابل تبدو إيران – رغم العقوبات والتحديات – وقد حسمت أمرها.. لن تُدار الأزمة.. بل ستُخاض المواجهة.
هذه ليست لحظة “إدارة أزمة” بل بداية تحول استراتيجي تُعاد فيه صياغة قواعد الاشتباك وتُكسر فيه أنماط السيطرة التقليدية.
المحصلة:
نحن أمام مشهد يتجاوز احتمالات الحرب نفسها.. ليكشف عن تحوّل عميق في النظام الدولي.
ففي حين تتراجع أدوات الردع الغربية.. ويضعف منطق الهيمنة تظهر قوى إقليمية – كإيران – وهي تمارس سياسة خارجية مستقلة قائمة على فرض الشروط لا انتظار التفاهمات.
وربما.. سيكون صوت طبول الحرب القادمة.. إن قُرعت.. هو الإعلان غير الرسمي عن نهاية عصر أحادية القرار الغربي.. وبداية تشكّل شرق جديد.. يُعيد صياغة المعادلات الإقليمية والدولية.. وفق توازنات قادمة.. لا تُملى بل تُفرض
زر الذهاب إلى الأعلى