سوريا بعد الأسد – مآلات ما بعد الدولة
محاولة للبحث عن الممكن في قلب المأزق
لم تكن لحظة سقوط الأسد لحظة حسم بقدر ما كانت لحظة انكشاف. انكشافٌ لعطب الدولة وتصدّع المجتمع وتهالك المؤسسات وغياب المشروع الوطني الجامع هي لحظة دفعت بسوريا إلى مرحلة “ما بعد الدولة” لا بمعناها الكامل بل بما يكفي لتشظي الجغرافيا وتفكك الهوية السياسية وتفلت المركز.
سوريا التي خرج منها بشار الأسد لم تكن سوريا التي دخلها الورثة من بعده دخلها الجميع التركي الروسي الإسرائيلي الأميركي والتنظيمات المتطرفة ومجالس الإدارة الذاتية وقادة الميليشيات المحلية ومن رحم هذا الفراغ ظهرت معادلات جديدة على الأرض تُنذر بتشكل كيانات شبه مستقلة تتعايش بقوة السلاح لا بميثاق وطني
في الجنوب تبرز دروز السويداء والجولان كقوة سياسية وعسكرية منظمة تطالب بحكم ذاتي موسع ضمن إطار “اللامركزية الضامنة” وفي الشمال تحولت مناطق الإدارة الذاتية الكردية إلى كيان شبه فيدرالي يمتلك مقومات دولة مصغرة قوات أمن جهاز إداري سياسة تعليمية واقتصادية أما الغرب حيث الساحل العلوي فيظهر كجيب أمني مغلق يشهد إعادة تموضع لما تبقى من نواة النظام السابق وميليشياته في حين يشكل الوسط والشمال الغربي ساحة صراع مفتوح بين بقايا المعارضة المسلحة وهيئة تحرير الشام والقوى التركية.
هذا التفكك لا يعني بالضرورة نهاية سوريا ولكنه يعيد تعريفها لم تعد سوريا المركزية القائمة على نموذج الدولة القومية الحديثة قابلة للاستمرار لقد فشلت نخبها السياسية في إنتاج هوية جامعة وفشلت المؤسسة العسكرية في الحفاظ على حيادها كما فشلت “الدولة العميقة” في بناء منظومة مؤسسات تحترم الإنسان والقانون والعدالة.
ما بعد الأسد هو سؤال وجودي لا فقط سياسي هو سؤال عن طبيعة العقد الاجتماعي الجديد وعن إمكان بقاء سوريا موحدة دون قسر أو انقسامها إلى أقاليم تحكمها هويات ما دون وطنية وربما الأجدى الآن ليس الخوف من التفكك بل البحث عن الممكن في قلب هذا المأزق عن صيغة جديدة للوحدة لا تقوم على الإنكار أو القسر بل على الاعتراف والعدالة والحكم الرشيد والحق في التمثيل.
سوريا الجديدة قد لا تكون صورة طبق الأصل عن سوريا ما قبل الحرب لكنها يمكن أن تكون أفضل إن حمل مشروعها القادم معنى الدولة لا النظام والمواطن لا الطائفة والعدالة لا السطوة.
علاء الطائي
زر الذهاب إلى الأعلى