العراق ساحة نفوذ ووصاية أمريكية والحكومات تُصنع في واشنطن
(9 تموز 2025)
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
منذ عام 2003، ظل مفهوم السيادة العراقية معلقًا بين التنظير ومرارة الواقع. فبينما تتحدث الدساتير عن استقلال تام، تشير الحقائق على الأرض إلى نفوذ خارجي عميق صاغ المشهد السياسي والأمني والاقتصادي، جاعلًا السيادة مجرد كلمة تفتقر إلى جوهرها العملي. هذا التناقض كشفه بوضوح النائب الأمريكي جيمي بانيتا، الذي أقر بأن العراق ليس سوى “ساحة نفوذ ووصاية أمريكية”.
تصريحات بانيتا، التي لم يسبق لمسؤول أمريكي أن أدلى بها بهذه الصراحة، كشفت الستار عن سيطرة واشنطن المطلقة؛ فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة، والمجال الجوي العراقي، ومقدرات النفط، وحتى الأموال، جميعها تقع تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة. الأكثر إثارة للقلق هو تأكيد بانيتا على أن واشنطن تملك القدرة على “إسقاط أي حكومة عراقية غير موالية لها”، وأن “الحكومات تُصنع في واشنطن”. هذه التصريحات تقوض تمامًا أي ادعاء بسيادة عراقية حقيقية، مؤكدة أن القرار في بغداد يُدار فعليًا من الخارج، وأن العملية الانتخابية قد لا تعكس الإرادة الشعبية بقدر ما تعكس توافقًا مع أجندات البيت الأبيض.
إن ما أشار إليه بانيتا يفسر بوضوح تحول السيادة العراقية إلى مجرد لقب منذ عام 2003. فكيف يمكن لدولة أن تدعي السيادة المطلقة وهي لا تملك قرارها في التحكم بمواردها، ولا تسيطر على مجالها الجوي أو قواعدها العسكرية على أرضها، ولا حتى تختار قادتها بحرية؟ الواقع يشير إلى أن العراق يعيش حالة من الوصاية غير المعلنة، حيث تظل قراراته المصيرية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمصالح وتوجيهات قوى أجنبية، الأمر الذي يُفرغ السيادة من محتواها العملي ويُبقيها في نطاق المفهوم النظري فحسب.
إن المشهد العراقي المعقد، الذي غالبًا ما يوصف بالفوضوي، يمكن فهمه ضمن مفهوم “الفوضى المُدارة”. فإذا كانت الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة التي توجه الأمور في الداخل العراقي، فإن الأجندات المتعددة، بما في ذلك وجود الفصائل المسلحة وحتى التنظيمات الإرهابية، قد تُدار ضمن هذا الإطار. هذا النفوذ قد يمتد إلى السماح بوجود هذه الأطراف أو التغاضي عن نشاطاتها، بقبول ضمني أو حتى بإذن مسبق، وذلك لتحقيق أهداف استراتيجية معينة، كإدارة توازنات القوى الإقليمية أو إبقاء العراق في حالة تتيح التدخل الخارجي عند الحاجة. التدخلات الإقليمية والدولية الأخرى في الشأن العراقي غالبًا ما تتم بموافقة ضمنية من الولايات المتحدة، بناءً على مصالح مشتركة، مما يؤكد أن الساحة العراقية ليست ساحة صراع عشوائية، بل مسرحًا تترابط فيه الحركات وتدار فيه الأحداث تحت إشراف القوة المهيمنة.
لقد أثبتت التجربة العراقية المريرة منذ عام 2003 أن الشخصيات في مراكز القرار التي حملت ولاءات وجنسيات مزدوجة لم تتمكن من تحقيق مبادئ الشفافية الحقيقية أو ترسيخ السيادة الوطنية أو حفظ مقدرات البلد. فالولاءات المتعددة تتعارض بشكل مباشر مع المصلحة الوطنية العليا، وتجعل القرار العراقي رهينة لأجندات خارجية أو مصالح شخصية. هذا الواقع دفع بالعراق ثمنًا باهظًا من الفساد المستشري، وهدر الثروات، وسيل الدماء، مما قوض ثقة الشعب في أي عملية بناء دولة حقيقية.
في ضوء كل ما سبق، تصبح المسؤولية الكاملة عما حصل للعراق وما قد يحصل فيه مستقبلاً على عاتق النظام الدولي، والولايات المتحدة خصوصًا. فإذا كانت واشنطن هي من تصنع الحكومات وتتحكم بها، فإنها مسؤولة مباشرة عن الأنظمة المتعاقبة التي حكمت العراق بالقوة، وعن سرقة مقدراته، وعن سفك دماء أبنائه. إن التغاضي عن الفساد أو عدم اتخاذ إجراءات حاسمة لوقفه، في ظل هذا النفوذ الهائل، يضع علامات استفهام كبرى حول الأهداف الحقيقية للوجود الأجنبي في العراق. كما أن الفشل في بناء نظام سيادي حقيقي بعد 2003، والسماح باستمرار حالة من الوصاية، يحمل تلك القوى مسؤولية عرقلة تمكين العراقيين من حكم أنفسهم بحرية وحماية بلدهم.
لذا، فإن أي تغيير مستقبلي في العراق يجب أن يتم وفق شروط عراقية خالصة، بعيدًا عن أي إملاءات خارجية. لا ينبغي أن يُرسم النظام بالكامل من قبل الولايات المتحدة أو أي قوة أخرى ويُطبق في العراق. بل يجب أن تنبع ملامح النظام من رؤية وطنية عراقية حقيقية، تُبنى على أكتاف أبناء البلد المخلصين، لا على غرار ما سبق من شخصيات ذات ولاءات مزدوجة. المساعدة الخارجية، إن قُدمت، يجب أن تكون دعمًا يهدف إلى بناء عراق للعراقيين ذي سيادة حقيقية، ضمن شروط عراقية بحتة، وعلاقة تقوم على الندية والاحترام المتبادل. إن الأمل يكمن في إرادة الشعب العراقي وقدرته على فرض رؤيته الوطنية، فالسبيل الوحيد نحو الاستقرار والازدهار هو تحقيق سيادة وطنية كاملة وغير منقوصة.
زر الذهاب إلى الأعلى