دراسة تحليلية: تحديات التغيير الواقعي في المشهد السياسي العراقي (11 تمور 2025)
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
مقدمة: دعوات التغيير بين الطموح وواقع التجذير
تتجدد بين الفينة والأخرى في الساحة العراقية دعوات إلى التغيير والإصلاح، غالبًا ما تتشكل في قوائم أو كتل سياسية تدعي الاستقلالية والقدرة على كسر جمود المشهد السياسي. وفي هذا السياق، تبرز مبادرات كـ”القائمة العراقية للمستقلين” ودعوة الدكتور ليث شبر، التي تطمح إلى جمع أكثر من خمسين نائبًا لإحداث “تغيير ناعم من داخل المنظومة”. ومع تقديرنا لكل جهد يهدف إلى بناء عراق أفضل، فإن قراءة متأنية وواقعية للحقائق على الأرض تفرض علينا مساءلة هذه الدعوات بموضوعية، فالمجتمع العراقي، الذي أضناه طول الانتظار وتراكم الوعود غير المحققة، بات يطلب صراحةً لا تزييف فيها.
المحاصصة: بنية نظام لا مجرد عرف
إن الاعتقاد بإمكانية التغيير الجذري من داخل المنظومة الحالية يغفل حقيقة أن المحاصصة الطائفية والمكوناتية والإثنية في العراق ليست مجرد عرف سياسي طارئ، بل هي بنية متكاملة ومتجذرة. تترسخ هذه البنية عبر تفسيرات دستورية معينة، وتتحكم بشكل مباشر في آليات تشكيل الحكومات وتقاسم المناصب السيادية والدرجات الخاصة. لقد أثبتت التجارب السابقة، حتى مع كتل برلمانية كبيرة ككتلة التيار الصدري أو ائتلاف إياد علاوي، أن مجرد الفوز بعدد وافر من المقاعد لا يكفي لكسر هذه المحاصصة. فالنظام يدفع جميع اللاعبين نحو التوافقات القائمة على المحاصصة، ما لم تتغير القواعد الأساسية للعبة.
المال السياسي: استثمار لا خدمة عامة
يتفاقم هذا الواقع بتأثير المال السياسي الطاغي في العملية الانتخابية. فالإنفاق المذهل الذي يصل إلى مليارات الدنانير لكل مقعد نيابي ليس مجرد تكلفة حملة، بل هو “استثمار” يُتوقع استرداده وتحقيق أضعافه عبر استغلال النفوذ والفساد المنظم. هذا الواقع يخلق حاجزًا ماليًا هائلاً أمام أي مرشح مستقل حقيقي لا يمتلك ثروات شخصية ضخمة أو دعمًا من جهات نافذة، ويثير تساؤلات مشروعة حول مصداقية أي ادعاء بالاستقلالية عندما تتناسب التكاليف مع “أسعار السوق” المعروفة للمناصب.
هشاشة الاستقلالية وولاءات لا تدوم
إن الحديث عن جمع خمسين نائبًا “مستقلاً” أو أكثر يغفل تحديًا محوريًا آخر: صعوبة ضمان ولاء هؤلاء النواب وتماسكهم في وجه الإغراءات والضغوط التي تمارسها الكتل التقليدية بعد الانتخابات. النواب المستقلون، بحكم طبيعتهم، يفتقرون للانضباط الحزبي الصارم، مما يجعلهم عرضة للانشقاق أو الانضمام إلى كتل أخرى بحثًا عن مكاسب شخصية أو مناصب. تجربة كتل انبثقت من حراك تشرين، ككتلة امتداد التي تقلص عدد نوابها بعد الفوز، هي خير دليل على هذا الواقع المرير الذي يهدد استمرارية أي مشروع يدعي الاستقلالية. بل إن اعترافات علنية من قيادات كتل سياسية كبرى بأن بعض من يترشحون كـ”مستقلين” هم في الحقيقة “ضمن كتلهم” يكشف عن مدى تغلغل هذه الظاهرة.
النفوذ الخارجي: أبعاد غير معلنة للقرار السياسي
يتجاوز تعقيد المشهد العراقي الأبعاد الداخلية، ليشمل نفوذًا دوليًا وإقليميًا مؤثرًا في عملية اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة. فالحصول على “ضوء أخضر” من قوى إقليمية ودولية أساسية يُعد شرطًا ضمنيًا، وإن كان غير معلن، لتولي المناصب العليا. هذا يطرح تساؤلاً جوهريًا: إذا حصلت أي كتلة “مستقلة” على هذا التوافق الخارجي، فما الثمن الذي دفعته في شكل تعهدات سياسية أو تنازلات اقتصادية أو أمنية؟ هذا الجانب، إن لم يوضح بشفافية، يقوض أي ادعاء بالاستقلالية المطلقة أمام الشعب العراقي.
خور عبد الله: رمز العجز البرلماني
تعتبر قضية خور عبد الله رمزًا صارخًا لعجز البرلمان العراقي عن حماية مصالح البلاد وسيادتها في ظل النظام الحالي. فعندما يعجز أكثر من 96 نائبًا عن فرض عقد جلسة برلمانية حاسمة حول قضية وطنية مصيرية كهذه، أو عندما لا يثق الشعب في أن نوابه لن “يبيعوا” المصلحة الوطنية، فإن هذا يؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد عدد المقاعد. إنه يبرهن على أن آليات العمل البرلماني مخترقة، وأن هناك قوى نافذة تسيطر على الأجندات وتمنع المساءلة الحقيقية، مما يجعل “التغيير من الداخل” دون إصلاح بنيوي مجرد وهم.
الخلاصة: الالتزام الأخلاقي والإصلاح الجذري هو السبيل
في ضوء ما تقدم، فإن أي دعوة للتغيير في العراق، ومنها دعوة الدكتور ليث شبر والقائمة العراقية للمستقلين، يجب أن تتبنى نهجًا أكثر واقعية وشفافية وصراحة. إن تقديم رسالة دعوة بعد إغلاق باب الترشيح، مما يشير إلى سعي لحشد الجمهور للمرشحين الحاليين لا البحث عن مرشحين جدد، يتطلب توضيحًا صريحًا للشارع العراقي.
لا يمكن للمجتمع العراقي بعد الآن أن يتقبل مجرد الوعود أو الادعاءات بتغيير “ناعم” من داخل منظومة راسخة. فالأعذار المستقبلية حول “عدم القدرة على العمل بسبب النظام الطائفي” لن تُقبل، لأن هذا الواقع معروف سلفًا.
إن العمل المجدي للتغيير يجب أن يرتكز على:
* المطالبة الصريحة والضغط الفعلي لتغيير القانون الانتخابي، بما يضمن تمثيلاً حقيقيًا ويكسر هيمنة المال السياسي.
* الدفع نحو تعديل الدستور بما ينهي المحاصصة الطائفية ويؤسس لحكومة أغلبية سياسية قائمة على الكفاءة والبرنامج الوطني.
* تقديم برنامج عمل واضح، محدد، وقابل للتطبيق، مدعوم بـ”التزام أخلاقي” حقيقي وعلني، يتضمن آليات محاسبة شفافة للنواب، وتوضيحًا دقيقًا لمصادر التمويل وأي تفاهمات خارجية.
فإذا لم تلتزم هذه الكتل بتقديم هذا النموذج الجديد من العمل السياسي، فإنها ستخاطر بإضفاء شرعية غير مقصودة على نظام بات يائسًا من التغيير، وتعمق من الإحباط المتراكم لدى الشعب العراقي. إن بناء الثقة يستلزم مواجهة الحقائق المرة، وتقديم خيارات حقيقية، لا مجرد تكرار لدورة الوعود والأعذار التي أضنت هذا الوطن.
زر الذهاب إلى الأعلى