صرخة العراق المكتومة: بين ثروات مُهدرة وضمائر غائبة ومسؤولية العلماء في معركة الحق والباطل… وماذا بعد الصمت؟
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
في قلب العراق المثقل بالجراح، تتجلى فصول مأساة تتجسد في مفارقات صارخة. شعب يئن تحت وطأة أزمات معيشية خانقة، بينما تُنفق مقدرات الوطن ببذخ على مظاهر زائفة وتُقدم التبرعات بسخاء لمن هم أولى بفتات هذه الثروات. ديمقراطية وُعد بها العراقيون تحولت إلى قناع هش يخفي وراءه هيمنة أحزاب متنفذة تعيد إنتاج سلطتها بعيدًا عن إرادة الشعب الحقيقية، مما أفضى إلى عزوف وفتور يخدم مصالح المستفيدين.
في هذا المشهد القاتم، يبرز سؤال وجودي حول دور القادة الروحيين وعلماء الدين، ورثة ميراث الأنبياء في أمة محمد (صلى الله عليه وآله)، من جميع الطوائف. أين صوتهم الصادع بالحق في وجه هذا الظلم المستشري الذي يكاد يفتك بالروح والجسد؟ إن السكوت عن نهب ثروات الأجيال القادمة، وقمع الأصوات الحرة المطالبة بالعدل، وتجاهل أنين شعب يكابد الأمرّين، يحمل في طياته دلالات خطيرة تنذر بتكريس الباطل وتغييب الحق.
لقد كانت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ضمير الأمة وصرختها الأبدية في وجه الطغيان، فهل يقتصر إحياء ذكراها على طقوس باهتة تخلو من جوهرها الثائر؟ لقد أمرنا الله تعالى بالنهي عن المنكر، وهو فريضة غائبة في واقعنا العراقي المتردي. فأين العلماء الذين يجهرون بالحق ويصدعون به في وجه هذا الفساد المستشري الذي ينخر عظام الدولة والمجتمع؟
إن توجيهًا صريحًا وواضحًا من جميع المرجعيات الدينية، خاصة في منعطفات حاسمة كالانتخابات، يمثل ضرورة أخلاقية ووطنية لمحاسبة من عبث بمقدرات البلاد واستباح دماء أبنائها. يجب أن يكون هذا التوجيه جامعًا وشاملًا، يركز على معايير النزاهة والكفاءة والوطنية، لعله يوقظ ضمائر الناخبين ويدفعهم نحو اختيار من يحمل أمانة العراق بصدق وإخلاص.
ومع إدراكنا للتعقيدات الإقليمية والدولية المتشابكة، حيث تبدو مصالح القوى الكبرى متوافقة مع بقاء الحال على ما هو عليه، يبقى الاعتماد الأساسي على صحوة الضمير الداخلي وإرادة التغيير لدى الشعب. وإيماننا الراسخ بأن “لِلْبَاطِلِ جَوْلَةٌ وَلِلْحَقِّ دَوْلَةٌ” يمنحنا بصيص أمل بانتصار العدل في نهاية المطاف.
ولكن، يبقى التساؤل قائمًا: إذا ما استجاب الله لنداء الشعب وتغيرت الأحوال رغم هذا الصمت المطبق، فماذا سيكون موقف هؤلاء العلماء؟ هل سيخرجون ليدعوا أنهم كانوا عنصرًا أساسيًا في هذا التغيير، بعد أن آثروا الصمت في وجه الظلم؟ ولماذا استمر هذا الصمت حتى اللحظة؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات ستحدد مصداقية هذه القيادات الروحية في نظر الشعب الذي عانى وتجرع مرارة الصمت.
إن صوت علماء الأمة الموحد والصريح هو القوة القادرة على إحداث التغيير المنشود. الشعب العراقي، الذي صبر طويلًا وتجرع مرارة الظلم، يتطلع إلى هذه الصحوة الروحية التي قد تضيء له دروب الخلاص نحو مستقبل أفضل وأكثر عدلًا وكرامة. لقد آن الأوان لأن يرتفع صوت الحق مدويًا، فالصمت لم يعد خيارًا، والكلمة الصادقة هي السلاح الأمضى في معركة الحق ضد الباطل
زر الذهاب إلى الأعلى