الرئيسيةالمقالات

​العدالة الدستورية في العراق: بين قدسية الحق ومقامرة الامتياز السياسي

​العدالة الدستورية في العراق: بين قدسية الحق ومقامرة الامتياز السياسي

بقلم/ عدنان صگر الخليفه

​تُعد العدالة الركيزة الوجودية التي تمنح المجتمعات صبغتها الإنسانية، فهي ليست مجرد نصوص قانونية جامدة، بل هي الروح التي تمنح العقد الاجتماعي شرعيته واستمراره. ومع ذلك، يبرز في الواقع العراقي المعاصر مأزق بنيوي يتمثل في انحراف مفهوم العدالة من كونه حقاً طبيعياً وأصيلاً لكل مواطن، إلى كونه امتيازاً محصوراً بفئات تملك النفوذ، وهو ما تجسده بوضوح تلك الخروقات الدستورية الممنهجة التي باتت سمة للمشهد السياسي. إن الصعود على المواد الدستورية والالتفاف على التوقيتات الملزمة، تحت مرأى وصمت المؤسسات القضائية، يعكس حالة من الاستباحة للحقوق العامة؛ حيث يغدو تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية أو تسمية رئيس الوزراء “تكتيكاً” سياسياً، بينما هو في الحقيقة اغتيال لمفهوم الدولة وترك المجتمع في فراغ قاتل يهدد كيانه.
​إن الخطورة الكامنة في تحويل العدالة والدستور إلى أدوات للامتياز لا تكمن فقط في ضياع الحقوق، بل في نشوء منظومة تعتاش على “التجهيل الممنهج” للوعي الجمعي، حيث يُدفع المجتمع قسراً للقبول بالفراغ الدستوري كأمر واقع. وفي هذا السياق، يصبح المجتمع الذي يعجز عن إدراك العدالة كاستحقاق فطري مجتمعاً يفتقد لمبررات الحياة السياسية الحقيقية؛ لأن هذه المنظومة لا تولد سياسات وطنية، بل تنتج “هندسة قانونية” ممسوخة تشرعن تجاوز الخطوط الحمراء طالما أنها تخدم القوى المهيمنة. إن ضياع البوصلة الوطنية لدى من يتصدى للمناصب العليا جعلهم يرهنون استحقاقات الشعب لإرادات خارجية أو فئوية، باحثين عن “راعٍ رسمي” يمنحهم الشرعية، متناسين أن الراعي الحقيقي والوحيد هو الشعب والقانون.
​إن استعادة العدالة من براثن “الامتياز” تتطلب ثورة في الوعي تعيد للهوية الوطنية بريقها، وترفض تحويل الدستور إلى صفقة خلف الكواليس. لا يمكن لبناء مؤسساتي أن يستقيم طالما ظل الضمير الجمعي يرى في خرق التوقيتات الدستورية مجرد وجهة نظر سياسية، بينما هي في الواقع هدم لأركان الدولة وتكريس لزبائنية مقيتة تجعل المواطن مجرد تابع يبحث عن فضلة حق في غابة من الامتيازات المشرعنة. إن الانتقال إلى ضفة الدولة الحقيقية يبدأ من الالتزام المطلق بالحقوق كاستحقاق بشري غير قابل للتفاوض، وأن أي نظام يضع مصالح الشخوص فوق قدسية المواعيد والمواد الدستورية هو نظام يغتال مستقبل الأجيال ويقوض أسس المواطنة الحقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار