الردع الصامت
ريما فارس
من قلب لبنان، من بقاعه الصامد وجنوبه الأبي، حيث لا تنحني الهامات إلا لله، تنبعث الحكاية من تراب لا يعرف الهزيمة، ومن شعب لا يسجد إلا في صلاته.
هنا، لا تُقاس الجغرافيا بخطوط الخرائط، بل بنبض الأرض، بنزف الشهداء، وبصوت لا يهدأ ما دام العدو قائماً. المقاومة لم تكن يوماً خيارًا سياسيًا، بل وجدانًا جماعيًا وأسلوب حياة، ولغةً تسري في الضاحية، وتقاتل في غزة، وتنهض من جبال اليمن، وتبعث من رماد العراق.
ساحة واحدة… وسند لا يُشترى
رغم تعدد الجبهات واختلاف اللهجات، تظل المعركة واحدة: معركة الكرامة والحق. وإن كانت لكل ساحة نكهتها، فإن لبنان اختار أن يصوغ مقاومته لا كشعار، بل كمنهج يومي، وثقافة متجذرة، تجاوزت الحسابات الضيقة، وارتقت إلى مرتبة العقيدة.
قدّمها الشهداء بدمائهم، والكتّاب بكلماتهم، والأحرار بمواقفهم. لم تكن يومًا طرفًا في سوق السياسة، بل شريكًا في الدم والسلاح والصوت على درب القدس.
أصوات الشكّ وصمت اليقين
واليوم، مع استمرار العدوان على الجنوب والبقاع والضاحية، تتعالى أصوات مشككة: “المقاومة صمتت”، “المقاومة ضعفت”، “المقاومة انكفأت”… لكن الحقيقة تُقال حيث الأرض تشهد: العدو هو من نزح، والمستوطنات تحوّلت إلى مدن أشباح، بينما بقي أهل الجنوب يزرعون ويحلمون ويقاومون.
من ظن أن المقاومة فقدت سلاحها، فليعلم أن السلاح في يدها ليس خيارًا، بل عهدًا وعقيدة. ومن يظن أنها عاجزة عن الرد، فلينتظر… فحين تقرر المقاومة، تتبدل الموازين.
على الضفة الأخرى، لا يخلو المشهد من الارتباك: بين واشنطن وتل أبيب، تصاعدت الخلافات حول مسار الحرب في غزة، وتآكلت ثقة البيت الأبيض بنتنياهو. الولايات المتحدة، التي طالما قدّمت الغطاء الدبلوماسي والدعم العسكري، باتت علنًا تنتقد الأداء الإسرائيلي، بل وتُحجم عن تزويده ببعض الأسلحة الهجومية، خشية الانزلاق نحو حرب إقليمية كبرى.
في المقابل، يتهم نتنياهو الإدارة الأمريكية بـ”حجب الذخائر”، ويصوّر نفسه أمام جمهوره ضحية ضغوط غربية… لكن الحقيقة أن هشاشة إسرائيل ليست فقط عسكرية، بل سياسية داخلية وخارجية، وهي ما يُربك قراراتها في الشمال كما في الجنوب.
المقاومة لا تتحرك تحت عدسات الإعلام، بل من تحت الأرض وفوقها. رجالها يعرفون متى يصمتون ومتى يردّون. هي ليست أداة للاستعراض، بل معادلة توازن ردع، تُبقي العدو قلقًا، وتُربك مراكز قراره.
لبنان ليس دولة محمية بقرار دولي، بل بأبناء حملوا الكرامة مشعلًا، وبنادق تحرس الوطن، ودماء سُفكت لترسم حدود السيادة.
سلامٌ على من يزرعون الأرض بالرصاص والأمل،
وسلامٌ على من يقاتلون ليحيا الوطن حرًّا، عزيزًا، أبيًّا.
زر الذهاب إلى الأعلى