الرئيسيةعربي ودولي

رمضان بين صناعة الإنسان واستعادة الأمة

رمضان بين صناعة الإنسان واستعادة الأمة

أحلام الصوفي

لم تأتِ كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بمناسبة شهر رمضان بوصفها خطابًا وعظيًا تقليديًا يذكّر بفضائل الصيام فحسب، بل جاءت أقرب إلى إعلان حالة تعبئة تربوية وفكرية شاملة. فالرجل لا يتحدث عن شهر عابر في التقويم الهجري، بل عن فرصة استراتيجية لإعادة بناء الإنسان، ومن خلاله إعادة صياغة واقع الأمة.
منذ اللحظة الأولى، يضع الكلمة في إطار “التهيئة النفسية والذهنية”، وكأنه يؤكد أن المعركة الحقيقية تبدأ من الداخل؛ من الوعي، من الإرادة، من طريقة النظر إلى رمضان ذاته. وهنا يبرز التحول المفاهيمي: رمضان ليس طقسًا اجتماعيًا، ولا مجرد أجواء روحانية، بل مشروع تغيير عميق.

الصيام كقوة إرادة لا كحرمان مؤقت

يركّز الخطاب على البعد التربوي للصيام، بوصفه مصنعًا لقوة الإرادة. فالإنسان الذي يستطيع أن يمتنع عن المباح طاعةً لله، قادر – من باب أولى – على الامتناع عن الحرام، وعلى ضبط سلوكه، وعلى تحمّل المسؤوليات الكبرى.
هذا الطرح يربط بين العبادة والسلوك، بين الروح والواقع. الصيام – في هذه الرؤية – ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة لإنتاج إنسان منضبط، صبور، ثابت، يمتلك القدرة على اتخاذ الموقف الصحيح. إنها عملية إعادة تشكيل للشخصية، لا مجرد عبادة موسمية.

تشخيص جذري لأزمة الأمة

لا يتوقف الخطاب عند البعد الفردي، بل ينتقل إلى قراءة واقع الأمة الإسلامية. وهنا يطرح السيد تشخيصًا واضحًا: الخلل ليس في قلة العدد ولا في غياب الإمكانات، بل في الاختلال التربوي ونقص التقوى.
حين تُفصل الصلاة عن دورها الإصلاحي، ويُفصل الصيام عن أثره العملي، وتُحذف مفاهيم كالجهاد وإقامة القسط من الخطاب العام، يصبح الدين مجرد إطار شكلي لا يحمي الأمة ولا يوجّهها. ومن هنا تتراكم مظاهر الضعف والتبعية والهزيمة النفسية.
الخطاب يحمّل جزءًا من المسؤولية للأنظمة التي – بحسب توصيفه – شطبت مسؤوليات أساسية من أولوياتها، وضيّقت على الحديث عن مفاهيم المقاومة والعدل ومواجهة الظلم. وبهذا يتحول رمضان إلى لحظة مراجعة جماعية، لا فردية فقط.
القرآن: من التلاوة إلى القيادة
الركيزة الثانية في الكلمة هي القرآن الكريم.
الطرح هنا واضح: المشكلة ليست في غياب المصاحف، بل في غياب العلاقة الواعية مع القرآن. فحين يتحول إلى كتاب يُتلى دون أن يُحتكم إليه في القرار والسلوك، يفقد أثره القيادي.
القرآن – كما يقدّمه الخطاب – ليس نصًا تاريخيًا مرتبطًا بمرحلة معينة، بل كتاب هداية لكل عصر. وهو قادر على تشخيص الواقع بدقة، شرط أن يُقرأ بعين المسؤولية لا بعين العادة. من هنا تأتي الدعوة إلى الإقبال على التلاوة، والاستماع، والاهتمام بالثقافة القرآنية كبرنامج عملي للحياة.

البعد السياسي في سياق إيماني

اللافت في الكلمة أنها لا تفصل بين الروحي والسياسي. فبعد الحديث عن التزكية والصبر والإحسان، ينتقل الخطاب إلى ما يجري في فلسطين ولبنان وسوريا، محذرًا من محاولة فرض “معادلة الاستباحة” على الأمة.
هذا الربط ليس عارضًا؛ بل يعكس رؤية تعتبر أن ضعف العلاقة مع هدى الله هو المدخل لقبول الظلم، وأن الهزيمة النفسية أخطر من الهزيمة العسكرية. وبالتالي، فإن استعادة القوة تبدأ من بناء وعي إيماني متماسك، قادر على رفض الاستسلام.

بين التربية والمواجهة

في عمق الكلمة تتشكل معادلة واضحة:
التربية الإيمانية ليست انسحابًا من الواقع، بل استعداد لمواجهته.
الصبر ليس خنوعًا، بل قدرة على الثبات.
والإحسان ليس عملًا فرديًا محدودًا، بل روح تضامن تعيد ترميم المجتمع من الداخل.
رمضان – وفق هذه الرؤية – يصبح مدرسة لإنتاج إنسان واعٍ، يمتلك البصيرة والقدرة على التمييز بين الحق والباطل، ولا ينساق خلف ثقافات يراها الخطاب جزءًا من حرب ناعمة تستهدف وعي الأمة وهويتها.

خلاصة المقال

كلمة السيد القائد تقدم رمضان كمشروع نهضة لا موسم عاطفة.
هي دعوة لإعادة بناء العلاقة مع الله على أساس الالتزام الواعي، وإعادة بناء الإنسان على أساس الإرادة والصبر، وإعادة بناء الموقف تجاه قضايا الأمة على أساس البصيرة والثبات.
في ظل واقع مضطرب وضاغط، تطرح الكلمة سؤالًا ضمنيًا:
هل نريد رمضان كما اعتدناه كل عام، أم نريده نقطة تحول حقيقية في وعينا وسلوكنا وموقفنا؟
الجواب كما يفهم من الخطاب يبدأ من الداخل، لكنه لا ينتهي عنده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار