الرئيسيةالمقالات

“درء المخاطر المحدقة” الدلالات الكبرى..!

“درء المخاطر المحدقة” الدلالات الكبرى..!

عمار محمد طيب العراقي ||

مصير الشعوب لا يمكن حمايته بالعواطف والأماني والأنفعالات، بل نتوفق به من خلال التخطيط المتقن والإرادة المتعقلة..التخطيط يراد منه بمعناه البسيط؛ حسن التدبر والتعامل مع المعطيات بواقعية متأنية متعقلة، من خلال معرفة ما تملك من نقاط قوة، وما يعتري المنظومة المجتمعية أو كيانات المجتمع من ضعف ووهن، ثم يتم الإنتقال لتنفيذ ما صمم له عبر تخطيط مسبق، ضامن لجودة التنفيذ.

التنفيذ قائم على مفهومي الإرادة والإدارة، ولا يعني ذلك أو يسمح بالإندفاع والتهور كما يفهمها العموم، بل هو أختيار الهدف وفق الإمكانات المتاحة والمتوفرة، مع إحترام العامل الزمني للإنطلاق والشروع بالتنفيذ والمواجهة والمحاسبة.

المحاسبة؛ هذه الحسابات الدقيقة تحتاج لقائد؛ ببصيرة نافذة ومعه رجال إكفاء، يمكن أن يتعاملوا أو يترجموا رؤى القائد عمليا وعقليا، بالمعنى المجازي وليس الوصفي، وحسب مفهوم القاعدة المنطقية (فاعلية الفاعل تحتاج لقابلية القابل).

فاعلية الفاعل تحتاج لقابلية القابل، مصداق هذه المقدمة، يمكن المقاربة بينها وبين مفهوم البناء الإسترتيجي، فالإستراتيجية هي التوظيف والربط الحقيقي، بين الوسائل المتاحة والأهداف المنشودة، والمراد تحققها من صياغة الأسترتيجيات، لقد كانت فتوى الجهاد الكفائي، من معاجز الإستراتيجيات، لأنها لم تأت من ردة فعل آنية، بل ولدت من رحم تراكم، الفتوى كانت إناء إحتواء كبير للحوادث المؤلمة، ولعموم ما سبق من أحداث وحوادث في بلدنا والمنطقة قبل صدورها المبارك.

الفتوى المباركة الجهادية الكفائية، كانت بمعنى أن ينهض القادر والمتدرب والفاعل فقط، وبخلافه فإن له مهام أخرى تناسب قدراته وإمكاناته، والمسلم غير معفي مطلقا لأنه ليس إنسانا منفردا، بل هو جزء من أمة متكاملة، وسياساتنا كانت محط رسم وإدراك ومراقبة المرجعية الدينية المباركة، حيث كانت تعي حجم المؤمرات الخارجية؛ التي تحاك من أجل إضعاف الوطن وتقسيمه، والتأثير بالمدى الأبعد على الوجود الإسلامي عموما، وكيان الشيعة وواقعهم خصوصا.

كيان الشيعة وواقعهم، الفتوى جاءت بمقام ضربة وقائية حاسمة محكمة، كان من ثمارها تشكل وبروز قوة لمهام كبرى، قوي بعقيدته ووجوده وقدراته، متقدما على باقي قواتنا المسلحة بمختلف صنوفها وقوتها، بعديده ومقدراته وبناءاته وتكاليفه ومنتجاته، وحظي هذا التشكيل الإنقاذي المبارك بتسمية هيئة الحشد الشعبي، وهي تسمية دالة مدلولة، منتقاة بحرفية عالية، من بين عدد كبير من التسميات.

تسمية هيئة الحشدالشعبي؛ أذهلت المرجعية الدينية العليا العالم بأسره، وخصوصا” الأجهزة الأستخبارية في المنطقة وعموم دول الغرب لا سيما الإدارة الأمريكية، وكل المراكز البحثية المهتمة، بوضعنا والشرق الأوسط، على خارطة طريق واضحة ومحددة، وبهذا أنبثقت في ظروف معقدة، وسيلة فعالة لحكم العراقيين بآليات الديمقراطية، وتكشف عن وجود متكامل للمرجعية دون أن نراها، لكننا نستكشف تأثيراتها بتدخل هاديء رصين سليم قوي فاعل من المرجعية العليا.

تدخل المرجعية العليا؛ مقابل هذا الوضع الإعتباري لموثق السيد السيستاني دامت بركاته، وأغلاقه باب الصلة المباشرة للسياسيين، فإنه ترك أمامهم فسحة الإختيار، بين التفكر والخشية من حساب المرجعية الدينية العليا، وهو حساب لا غطاء لمن إنكشف تحت موبقاته..وهكذا اتيح ان تتحول المرجعية الدينية العليا، الى جهة حساب ومحاسبة صارمة، إزاء تلكوء أو إخفاق السياسيين في عملهم، أو في تنصل الطبقة السياسية عن وعودها، في بناء وطن ديمقراطي موحد، ينعم أبناءه بحياة كريمة وطيبة.

هنا لا بد من وقفة تفصيلية ولو بشكل بسيط لدراسة وتحليل (فتوى الإمام السيد السيستاني للجهاد الكفائي)، وأظهار ما حوت من أسرار تستحق الوقفة والتأمل.

1ـ  لم تصدر الفتوى إلا بعد أن خرج العدو الحقيقي، أو وكيله ( داعش) من مخبأه، حين تبين الخيط الأبيض من الأسود، وكشف عن وجهه الحقيقي، فهو لا يمثل السنة كما كان يدعي قادة الأرهاب، ومن ساندهم من ساسة البلاد، فإذ ولطالما أستفزت المرجعية؛ قبل ظهور داعش عام 2014 بأحداث مؤلمة ومريرة، كانت تجري مرارا وتكرارا، كالقتل على الهوية في عموم مناطق البلاد، وتفجير ضريح الأمامين العسكريين “ع” وأحداث مريرة أخرى، إلا إن كل تلك الأحداث كان فيها العدو يتخفى بين مكونات البلاد، لغرض جر البلاد لحرب أهلية، بيد أن حكمة المرجعية العليا، فوتت الفرصة على المتربصين بالسوء والخراب للعراق وشعبه

2ـ كان خطاب المرجعية موجه لكل العراقيين دون إستثناء، فلم يكن خطابا طائفيا أو مذهبيا أو قوميا، ونتذكر قولها المبارك: (إنها مسؤولية الجميع..) بل دعت بقوة كل مكونات العراق للدفاع عن بلدهم، ليكون طيف الفتوى يمتد على كل جغرافية الوطن.

3ـ حافظت الفتوى على هيبة القانون والدولة، حينما دعت الحشود المليونية لإكمال النقص الحاصل، في المؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية ضمن صفوف قواتنا المسلحة.. لتنبثق عنها هيئة الحشد الشعبي كوجود وطني جهادي كبير مؤثر منتج فاعل.

4ـ  كان للمرجعية العليا، الفضل الكبير بالحفاظ على الوطن وشعبه، وكانت الشمس المشرقة، التي أزاحت دجى الظلام والظلاميين، ودحظت بقوة الزمرة التي كانت تنادي بأن الدين سبب فوضى البلاد وخرابه، بعدما أعتبرت ظلما وفرية، أن الإحزاب الدينية هو النموذج الذي يعرف به الأسلام، وذلك قمة الخطأ ومغالطة مقصودة ممنهجة لضرب الإسلام الحنيف.. لتميز المرجعية الدينية العليا بعد ذلك بشكل حاد، بين الخبيث من الطيب وتفضح شبهة المنافقين.

5ـ تمكنت المرجعية الدينية العليا بفتوها الكاملة المكملة الرشيدة، بأن تعيد هيبة المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية، وبعد الأنهيار الذي تعرضت له وخلال سويعات من صدور الفتوى، فتحول الإنكسار إلى ثبات وإنتصار، وبقي الإحترام والمكانة المرموقة، للقوات المسلحة الرسمية من جيش وشرطة، موضع التقدير والإحترام، لأن الخسائر قبل تشكل الحشد الشعبي، كانت ليس لأن تلك القوات سيئة، بل لأن الظروف الدولية والوجود الأمريكي المحتل، وإرادات إقليمية قاهرة، سعت الى تحجيم دور القوات المسلحة الوطنية البطلة.

6ـ أظهرت فتوى الجهاد الكفائي، إمتلاكنا لجيشٍ عقائدي سريع التعبئة، متكامل الوجود والتنفيذ الفوري لواجبات المعارك الفاصلة، ألا وهو الحشد الشعبي المبارك، الذي عزز قواتنا المسلحة بأدائه وثباته وعديده وقوته وإمكاناته وتخطيطه وقدراته، ليذهل العالم بإنسانيته، وكان سبب ذلك عمق عقيدته بالله والوطن.

7ـ أن فتوى الجهاد الكفائي أعادت اللحمة الوطنية لأبناء الوطن، بعد الشرخ الكبير الذي أحدثه الإرهاب، وعدم جودة والأداء السياسي للطبقة السياسية، فضلا عن أن الدعم اللوجستي الكبير للحشد الشعبي وقواتنا المسلحة، كان يعتمد إعتمادا كبيرا على التبرعات والدعم الفردي والشخصي، الذي أتى من عموم الشعب، ولولا ذلك الدعم لما تحقق الثبات والإنتصار الكبير.

8ـ رؤية المرجعية الدينية العليا ثاقبة، كشفت عن معيار عظيم للتفكير الإستراتيجي الموجه عقائديا، وهو طرح خيار “درء المخاطر المحدقة” كخيار إستراتيجي دائم للحشد السعبي، وهو خيار أولي غير قابل للدحض، لأن “المخاطر المحدقة” غير قابلة للزوال، بحكم موقعنا الدولي وتأثيره وشكل بناءه السياسي، وتشكيله القومي الشعبي، أما منظومة الأفكار النافدة، فسيتم تجاوزها لعدم مشروعية طرحها.

9ـ إن خيار “درء المخاطر المحدقة” بفاعليته الدائمة، سيكون وسيلة دائمة، لنمو وبناء القوة المتشكلة بسببه، وهو ميدان واسع، لمجابهة الأخطار الدنيوية والكوارث والمعاضل بقوة جاهزة دوما، مستعدة إستعدادا إستثنائيا دائما، لاسيما وان موقعيتنا تقع في منطقة كثيرة الأحداث والكوارث، وبسبب وجوده في سهل رسوبي واسع، وفي منطقة سكانية بشرية زراعية نشطة.

10ـ فضلا عن ما تقدم، فإن خيار “درء المخاطر المحدقة”، هو خيار كفيل بتدريب وتجهيز وتطوير واستعداد دائم للقطعات المكلفة، بواجب مواجهة طيف واسع من المخاطر والأحداث.

11ـ “درء المخاطر المحدقة” هو قوة الشعب، وشعب القوة..هو القوة التي لا يجب أن تنفصل أبدا عن الشعب، وأن إنفصالها عن الشعب، يعني أن الشعب نعى نفسه.

خلاصة القول إن المرجعية الدينية العليا، هي بمصاف حكومة حقيقية منتجة فاعلة، وجل همها أن ترى الوطن ينعم بنظام سياسي عادل، يكفل تحقيق كل مصالح البلاد التي نص عليها الدستور، وأثبتت إن الإسلام الحقيقي، دين سلام ورحمة ومحبة وأخاء، فضلا عن هذا وذاك، فإن الحشد الشعبي هو ذراع المرجعية الدينية العليا، التي أسسته بشعار “درء المخاطر المحتملة” ليس للقضاء على الإرهاب، بل لصيانة وجود الوطن والأمة.. ولسان حالنا: قوتنا بقوة كياناتنا المدافعة.

شكراً

2025/5/11

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار