الثقافية والفنية

الذئب الملتزم

الذئب الملتزم

عفاف البعداني

•مالت الرياح وغطتني بشال رمادي أغمضت عيني، فإذا بي أتنفس بعمق، ربما للمرة الأولى، حتى خُيل إلي أن رئتي تستقبلان شخصًا غريبًا بدأ يتسلل إلى جسدي العنيد.التفتت نحو اليسار، فرأيت فراغًا مليئًا بالصور،بينما كان الهدوء ثرثارًا معي هذه الليلة،البرد لم يلامس حواسي، ففي داخلي حنين يتأجج، كنت أطهو حساء يحمل مرارة الذكريات، وكوب القهوة الذي أمسكته بكلتا يدي كان مرتاعا لأفكار الحب.

•أتساءل هل يعني أن يكون إدمان الأشياء يعني حبها؟ أهذا هو الحب؟ لم يكن جمال القهوة بقدر ما حملته من مخاوف، هي معتمة لكنها كانت تُشبه روحها؛ إذ يشتركان معا في ذات المرارة.

أيعقل أن هذا هو الآمان المرجو يكمن في دوام التفكير وانتظار الوعود؟  تكسرت نظرتي السابقة للحب، بينما أحاول أن أنسى حديث أمي وتوصيات جدتي، أفكر فقط كم نتشابه.

أشعر بلّا شيء، واللا فراغ أيضًا؛ فقد قررت أن لا أكتب عنه حرفًا واحدًا، ولا أسمح لنفسي بإنهاء هذا الشعور، أريده أن يعيش، فلينقذني الوعي ولو لمرة واحدة.مأساتي أنني أفهم الأشياء قبل وقوعها، ومع ذلك أريد أن أتشبث به حتى النهاية. لا أقبل الكذب على نفسي، ولذلك أستمر في تذكره، فهو دائمًا كثير الوجود ولا أريد التخلص منه لم أكن بحاجة لرجل؛ لكني بحاجته فقط.

•ابتأست وقضمت أصابعي العشر،غسلت قلبي بماء بارد، لكن  بعض الأشياء تلتصق بي كظل لا أستطيع التخلص منها، تشتعل لهفتي لرؤيته؛ لمعطفه الذي يخبئنا عن بؤس العالم، لحديثه المعقد،أراه في كل زاوية من منزلي، حتى رائحة عطره المفضل تملأ الأجواء. صورته التي ألفها بألف رداء ثم أتفقدها كل مساء خلسة من بين الجميع. لا أذكر الكلمة الأولى التي وقعت بها، ولا تلك اللحظة التي شعرت فيها أنني تغيرت. التقينا مرتين فحسب، لكن الأماني تفرعت بيننا، غريبان لهما نفس المصير، أو غصنان يابسات اخضرّا بخريف واحد، نبتسم سويًا ونحزن معا يكاد لا يلفظ شعورا إلا وسبقته، ولا أخطأ إلا وبرر لي.

قضينا أوقاتًا دفاقة مع النجوم، كان يراني في كل نجمة، وكنت أراه القمر، في إحدى تلك الليالي، أمسكت بسيجارة وأنفقت جزءًا من ذكرياته، تذكرت كيف يحبها فأحببتها دون أن أتذوقها، خبأتها في خفاء، فاتهمتني أمي بأنني أشتت روحي في دخان السجائر وانهالت علي بوابل من الشتائم، بينما كنت أوبخ نفسي لما أحببتك بهذا القدر. بكيت تلك الليلة بجنون، لم أدافع عن نفسي أمام أمي، ولم أجد منك كلمة واحدة تخفف هذا الوجع،كلمة واحدة لو قلتها لكنت الآن بخير، غير أنني غفرت لك بلا شعور.كل ما أريد الآن هو أن ترى كم أصدقك.
“لّكِنك لاتَعلم قَسوة أن يُربي المرء قلبه بالأشاحةِ عَن ألأشياء ألتي يُحب”

•تهامست الليالي وكل الصباحات لتبعده وتختبر قلبينا. كنت مستعدة أن أتحمل العوز لأرى نفسي فيه ولو لمرة واحدة. كتب لي ذات مرة : “لا زلت أحبك أيتها السمراء، وحولي البحر والقهوة ونفس الكتاب الذي قرأتيه.”استأمنته، وغاصت ثقتي فيه أكثر،  حتى أنني حين  اشتريت وردة حمراء رميتها نحو الشمس، لم أكن أعرف كيف أصل إليه فلجئت للسماء، لكن العزيزهذه المرة انجذب إلى الشمس ونسى أمر الوردة. أحبته، فقال إنه يحبها أيضاً هكذا دونما أي مخافة.
شريعة الغاب أحيانًا تقتحم سلاسل الحب البريء.

•بعد شهور، وصل القطار، ونزل. ابتسمت بطلته كم صار جميلا ذاك الأسمر، بلعت ريقي وبدأت أصابعي ترتجف، ونبضات قلبي تنتفخ، فقد أحسست بخوف شديد عند اللقاء. لهفة اللقاء قد قتلت بهجتي، هممت أول كلمة أريد أن أن أنطق بها، تخيلت أنه يوم زفافي وليس لقاء مسافر. اقترب منه  قلبي، ولم يكن بيننا سوى مسافة خطوة.

•مددت قلبي، وما زالت عيني تبرق خجلاً. لكنه فجأ ة تحول إلى ذئب ملتزم، اعتذر قلبه مائلًا عينه عني  بوضوح، لأن مصافحة النساء محرم. بل تنامت عبثيته لمقابلة فتاة أخرى في تلك الجهة أمامي، ليتصافحا بحرارة، بل تحول لعناق طويل تنفس من خلاله ذاك الخاتم…

•أنظرخلفي حيث ذكرياتي تتراقص كالأشباح،ذلك الوهم العفيف، ذكريات طائلة أقلبها لحظة بلحظة، وعده لي بأن يكون دائمًا بجانبي أصبح مشهدا سخيفا،نظرته، صوت قلبه، حتى جنونه، قادتني تلك الأجواء التي أضعتها، الشجرة، الجبل، كوب القهوة، وكأننا لم نلتقِ  يومًا. كانت تلك اللحظة التي أشفقت بها على نفسي بكل مرارة.عيناي تغرق في بحر لانجاة منه، عدت إلى منزلي وقد أضعت نفسي هناك، أحاول رمي الأشياء وهي عالقة لعنات متكررة تهاجمني،  تعاتبني، أكتم صوتي بيدي التي عادت خائبة، أتدفئ جيدا وكلي كتلة ثلج باردة، لم أشأ أن أقابل أحدا بهذه العيون المهزومة والقلب المكسور.

كانت أمي هي الوحيدة من أحست بنزيف روحي احتنضنتي  بقوة، ولم تسألني مابك، وبمن التقيت، وكأنها كانت تمتص غصة الخذلان بصمت، لا أعلم كيف نمت ونسيت وحتى رميت يدي بكامل راحتها كأنني أحرقت الذئب مع غابته، تركتني بعدما أخذت نصف الوجع، وضعت لها قارورة ماء باردة وكأس في فمه،  ورقة، حبيبتي لن أتركك عند أي محطة ، لكن تزوجي بمن يريدك لا بمن تريديه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار