الثقافية والفنية

بكيتُ قبل أن تبكي.

بكيتُ قبل أن تبكي….

بقلم: عفاف البعداني

اتصالا طارئا يقطع سكون اللحظة، يبلغني بخبر وفاته، لا أدري لماذا تجسد أمامي وجه أبي، ربما لأنهما يتشاركان تفاصيل الحياة التي نسجت بيننا خيوطا من الذكريات، كانت الدفاتر تتجاوز الخمسين بيدي، وكل ورقة منها تحمل عمرا كاملا، وذعرا يسقط عليّ كأنه أثقال من الزمن نفسه.، رغم أنني سقطت بها من يدي، إلا أن قلبي لا يزال يخفق بشدة، ويداي ترتجفان كأنهما خائفتان من مواجهة الحقيقة، أغمضت عيني كطفل وديع، يتنهد ربيع ناعم، يبكي دون إدراك، كأن تلك الدموع تكشف ما لا أستطيع البوح به….

ثم يأتي صوت ليؤكد لي زيف ما أعيشه، “أخبرتك في عملك كي تعلميها الخبر وليس لتبكي هنا” تشبثت بها كثيرا، وكم خشيت أن أخبرك بما حدث، لكن طاقة غريبة تملكتني، ففزعت من نحيبي الذي أصبح صرخة تخرق صمت الفقد….

انتبهت لبرودتي، كأن صقيع الوجع يستحوذ على يدي، واندفعت نحو الهاتف، أصارع الكلمات لأخبرك بما لا يحتمل، فكيف يمكنني نقل هذا الخبر المفجع، وكيف سأخبرك بما يُشبه الرصاصة التي اخترقت قلبينا معا؟وصلت، وخفق قلبي بشدة، كيف أواجهك، وماذا سأقول لك؟ كيف لي أن أصبرك، أو بالأحرى، كيف أقول أبوك توفى، تشبثت ببقايا نفسي، أجر بعضًا من صبري وأبكي بحرقة،لقد رأيته في الصباح.

تنهدت ووقفت، كأنما مرّ على قلبي عشرون عامًا من الحنين، وداهمتني ذكريات كعذاب هذا الصباح، بكيت أمام شجرة الغفران، وبيتك الذي غلفه اليتم كفستان ثقيل، كنت أتحرك ببطء حتى انتهيت إلى نهاية الطريق في وقت أبكر مما توقعت؛ كيف وصلت لا أدري، وكيف نظرت إليك، لا أفهم حقًا.

كيف احتضنتك، وكيف أسندت رأسي إلى صدرك، وبكيت بدلاً عنك، كل هذا كأنه مر في خيال، خفت كثيرا، ووددت لو كنت مكان الصمت، تمنيت لو تصفعيني بدلا من هذه الهدوء القاتل، في النهاية، رجوت أن تشفعي  ضعفي أمام قوتك، فأنا أشعر بخجل يتسرب إلى أعماقي….وأنا معك.

في ذلك المساء، تمنيت لو يعود الموتى إلى الحياة، كي أكون معهم، أو لو كنت قد ذهبت معهم، تمنت روحي حضوري في كل شيء غائب، وازدادت معاناتي وسط غلبة الوقت المتعب، طوال حياتي، كنت أبحث عن الأشياء التي لا أجدها إلا حين تموت، وهذا هو ملخص ما جئت أتحمل ثقله….

استدراك: أدركت في النهاية أنني أتوق إلى النوم، ولكن، بشرط أن لا أستيقظ مجددا.

كتبته: عفاف البعداني…. 📖

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار