الرئيسيةالمقالات

جردة حساب في مديح التفاهة والببغاوات

جردة حساب
في مديح التفاهة والببغاوات

علاء الطائي

أفرغوا قاموس التفاهة في جماجم المحللين و غسلوا أدمغتهم بسردية المختبر الأمريكي ثم قالوا لهم انطلقوا… حللوا كما تشاؤون… لكن لا تنسوا أن التحليل عندنا ليس فكرًا بل امتداد للبيان الصحفي بلسان عربي لا يشكّ ولا يسأل!
فتخرّج من مدرسة “كتاب التفاهة” أفواجٌ من الخبراء يحمل كل منهم ميكروفونًا ويجرّ خلفه سحابة من الزبَد… “زبَد الحديث- زبَد الشعارات -وزبَد التحليل” الذي ما إن تقترب منه حتى يتبخر فلا يبقى منه إلا رائحة السردية التي نهشت العقول.
بحثوا عن “ببغاء استراتيجي” لا عن مفكر.. عن كائن يحفظ اللازمة ويجيد ترديدها بلكنة توحي بالعمق.. عثروا عليه في أقبية القنوات الفضائية.. جالسًا بين “المراقب” و”الامني” و”الاستراتيجي” يفتح فمه فيطل عليك الصراع الأمريكي الإيراني كما يُرى من غرفة العمليات في البنتاغون لا من شوارع بغداد..يا للرعب الهادئ وأنت تسمع “المحلل الإسلاموي” وقد أدار ظهره للمسألة.. وتحوّل إلى قصّاص شريط يردد “الردع” “التموضع” “قلق واشنطن”… كأنما يقرأ نشرة أخبار مترجمة لا تحليلًا! يُمنّي نفسه بأن يصل صوته إلى مبنى الكابيتول فيمنحونه إقامة ذهبية في “فندق السردية”!
يا معشر الببغاوات الموهوبة… لقد سخرتم من أنفسكم وأنتم تلبسون عباءة الحياد.. ثم تقفزون لترديد كل هوجاء تصدر عن الخارج وكأنها فتوى!
قال فيكم كبير مستشاري بريمر – بعد أن شبع ضحكًا – ما معناه “أقرف ما في الإعلام العربي أن بضاعته مكشوفة.. لكنه يظن نفسه بارعًا في التخفي… قولوا لهم يرددوا ما نقول واتركوهم يشعرون أنهم يبتكرون!
فحفظهم الوصفة عن ظهر قلب… وصرتم “صوت أمريكا الثاني” لا الأول.. لأن النسخة الأصلية تحتاج على الأقل إلى قاموس.. أما أنتم فصرتم تبصقون السردية جاهزة… محللون جاهزون.. أفكار جاهزة.. غثيان جاهز.. حتى لم يعد المشاهد بحاجة إلى مترجم.. بل يحتاج إلى دواء للمعدة..وكلما نغوص في البحر الهادر من تحليلاتكم نشعر بالحسرة على عقول رُبيت على الكذبة حتى صارت عقيدة… فلم تعد تفرق بين التحليل وبين بيانات وزارة الخارجية الأمريكية..وما أدهشني..أن كل هذا الزبَد لا يُغرقهم… يطفون فوق الحدث كأنهم “فلين” حتى إذا هدأت العاصفة وجف الكلام.. وجدتهم قد انتقلوا إلى موجة جديدة يثرثرون عنها
بنفس الحمق ونفس النبرة… كتاب التفاهة في جيبهم.. وشهادة المستشار وارمرز على جباههم..يا معشر المحللين الذين ضلّوا الطريق بين كربلاء وواشنطن… ما خطر على بال أحد قبلكم أن يُلبس الخيانة الفكرية ثوب “وجهة نظر” وأن يُحيل الولاء إلى سيد خارجي اسمه “مصدر مطلع”! فعلها الإعلام الرديء في كل العصور.. وتفننتم أنتم حين صرتم “إسلاميي الهوى أمريكي النبرة”… تلبسون السردية كل صباح كما يلبس الممثل عباءة الدور.. حتى إذا وقف الحسين على خشبة الضمير هربتم إلى استوديو القناة لترددوا “بقيادة واشنطن الحكيمة… ومعادلات الردع الدقيقة…” ليتكم تعلمون… أن التاريخ لا تسجله الغباوات.. وأن الجمهور الذي سئم الزبَد سيدفع ثمن التحليل النظيف لا ثمن مصبغ السرديات… وعندما تصحو الأجيال القادمة على خرائط أوطانكم الممزقة وتسأل “أين كنتم حين كان الصراع الأمريكي الإيراني يلتهم المنطقة”؟
لن ينفعكم ساعتها ميكروفون.. ولن تستروا عوراتكم الفكرية بلافتة “محلل سياسي”…لأن بعض الخيانات لا تمحوها لجان… وبعض التفاهة لا يخفيها حتى وارمرز نفسه!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار