العراق بين مطرقة الاستهلاك وسندان التفكيك: هل أُعدمت الصناعة الوطنية بقرار سياسي؟
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
لا يحتاج العراق اليوم إلى كليات أهلية تمنح شهاداتٍ مفرغة من العلم، ولا إلى مجمعاتٍ سكنية تُشيد فوق رفات المصانع؛ بل يحتاج، وأكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة “روحه المنتجة” التي أُزهقت بدم بارد طوال عقدين من الزمن. إن ما شهده الواقع العراقي منذ عام 2003 لم يكن محض فشل إداري أو تعثر اقتصادي عابر، بل كان نهجاً ممنهجاً وسياسة مرسومة، تضافرت فيها إرادات الأحزاب الحاكمة مع صمت النخب المتواطئة لتصفية أصول الدولة وتحويلها من قلاع إنتاجية إلى إقطاعيات عقارية تخدم أجندات ضيقة.
إن الحقيقة التي لا تقبل التزييف، والتي يختزنها وجدان العراقيين الذين عاصروا “زمن الحصار الظالم”، هي أن العراق تسلّمته قوى ما بعد 2003 وهو يمتلك قاعدة صناعية وزراعية صلبة كانت هي الرئة التي تنفس بها الشعب لمواجهة أقسى ظروف العزلة الدولية. في ذلك الحين، كان “صنع في العراق” هو الدرع الذي حقق حداً محترماً من الاكتفاء الذاتي، من معمل “الثرمستون” الذي كان يصدر إنتاجه، إلى معامل تعليب كربلاء والزيوت والسكر والحديد والصلب والبتروكيماويات في البصرة. إلا أن “جريمة الاستلام والتحطيم” بدأت بإيقاف هذه الصروح عمداً، وترك الصدأ يأكل خطوط إنتاجها، تمهيداً لشرعنة هدمها وتحويل جنس أراضيها الاستراتيجية إلى “استثمارات عقارية” وكليات تجارية، الغرض منها إفراغ جيوب المواطن وتدمير مستقبله المهني، وتحويله من كادر منتج إلى مستهلك تائه.
وفي سياق هذا الخراب، برزت أكذوبة “المصالحة الوطنية” و”وحدة الصف” التي سوّقتها نخب ومنظمات مجتمع مدني نبتت كالفطر تحت رعاية حزبية أو خارجية. إن هؤلاء “المصلحين المزيفين” تغافلوا عن الحقيقة الجوهرية التي تقول إن الانتماء للوطن يُبنى في المصنع وفي الحقل؛ فالبطالة هي الوقود الحقيقي للطائفية، والجوع هو الأداة التي استُخدمت لتدجين الشعب وسوقه نحو الولاءات الميليشياوية لتأمين قوت يومه. إن المصالحة الحقيقية تبدأ من “دخان المصانع” ومن استعادة كرامة العامل العراقي، لا من قاعات الفنادق التي يبار مباركاً فيها هؤلاء سلب سيادة العراق، سواء في حدوده ومياهه كما في “اتفاقية خور عبد الله”، أو في تدمير أمنه الغذائي.
إن هذا “مثلث التواطؤ” الذي جمع الحكومات المتعاقبة والبرلمانات والنخب الصامتة، لا يمكن أن يمر دون حساب تاريخي. إن “المستثمر” الذي بنى مشروعه فوق أنقاض معمل وطني أُغلق قسراً، ليس إلا شريكاً في جريمة تدمير الدولة، وهو يغامر بمستقبله في جسم مريض سيستعيد عافيته حتماً. فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة الوطنية التي حفظت صمود العراق في الحصار هي ذاتها التي ستلاحق من خانوه في زمن الرخاء الزائف. إن استعادة العراق تبدأ بتعرية هذه الوجوه، وإدراك أن السيادة الوطنية هي كلٌّ لا يتجزأ؛ تبدأ من حماية الحدود وتنتهي بتشغيل آخر مصنع أُطفئت نيرانه غدراً، ليعود العراق وطناً يبني ويصنع، لا سوقاً يُباع ويُشترى.
زر الذهاب إلى الأعلى