حين لا تعود الموعظة تعنيك
رغد عشيش
أخطر ما قد يُصاب به القلب في رحلته إلى الله،
ليس الجهل الذي يُعالج بالتعلّم،
ولا الغفلة التي تزول بالتذكير،
بل تلك الحالة المستعصية من الشِّبع الوهمي
حين تمرّ عليك موعظةٌ لو وُجِّهت إلى جبلٍ لتصدّع،
فلا تُحرّك فيك ساكنًا…
لا لأنك أقسى،
بل لأنك أرشفتها فورًا تحت عنوان:
«معلومة قديمة»،
أو: «مرحلة تم تجاوزها».
هنا لا تكون المشكلة في الموعظة،
بل في القلب الذي لم يعد ينتظر منها إنقاذًا.
تسمع التحذير من النار،
أو التذكير بالموت،
أو الحديث عن آفات القلوب،
فتستقبله ببرود الناقد لا بانكسار المحتاج.
عقلك لا يقول: يا رب سلِّم،
بل يقول: هذا طرح جيّد، الحجة قوية، الأسلوب مؤثّر.
وهنا—انتبه—
لم تعد مريضًا يبحث عن دواء،
بل صرتَ ناقدًا يقف خارج النص ليحكم عليه.
تحوّلت الموعظة من سوطٍ يوقظك،
إلى مادة ثقافية تستهلكها
لتزداد انتفاخًا… لا خضوعًا.
وقد تظن أن هذا الكلام قاسٍ أو مبالغ فيه،
لكن اسأل نفسك بصدق:
متى كانت آخر موعظة
جعلتك تؤجّل رأيك،
وتصمت،
وتخاف أن تكون أنت المعنِيّ؟
وفي عمق هذا الداء،
تنشأ حيلة نفسية ماكرة:
حين يُصيبك الكلام… لا تلتفت إلى نفسك،
بل يقفز ذهنك فورًا إلى الآخرين.
تسمع عن الكِبر،
فتتذكّر زميلك المغرور.
تسمع عن التقصير،
فتتذكّر قريبك الغافل.
تسمع عن الرياء،
فتهتف في داخلك: ليتهم يسمعون هذا.
وفي تلك اللحظة بالذات،
انتقلتَ من متهمٍ في قفص الاتهام
إلى قاضٍ يوزّع الأحكام.
جعلتَ نفسك ممرًّا لتوزيع النور،
ونسيت أنك أحوج الناس إلى الاقتباس منه.
أنت الجائع الذي يحمل الطعام للناس،
ويظنّ—بوهمٍ قاتل—
أن حمل الطعام يُغنيه عن أكله.
لكن هذا كله… ليس الذروة.
المصيبة الأعظم تقع عند القدامى في الطريق؛
أولئك الذين حفظوا المصطلحات،
وعرفوا المداخل والمخارج،
وألفوا الخطاب حتى فقد دهشته.
هؤلاء يُصيبهم داء الاستثناء.
يظن أحدهم أن الحديث عن قسوة القلب للمبتدئين،
وأن التحذير من الفتن للعوام،
أما هو… فقد أنهى هذه المراحل،
وحصّل «الحصانة».
الخطر هنا ليس في كثرة السقوط،
بل في ندرة الخوف.
أن تمشي في الطريق طويلًا
دون أن تعود تلتفت إلى قدمك.
وهنا يدخل الشيطان من أوسع باب،
لا ليُسقطه فجأة،
بل ليُطمئنه.
فما من أحدٍ سقط لأنه لم يعرف الطريق؛
كل الساقطين الكبار كانوا يعرفون،
ويحفظون،
ويُعلّمون غيرهم.
لكنهم فقدوا دهشة البدايات…
وفقدوا معها فقر البدايات.
تعاملوا مع الموعظة بذاكرتهم لا بقلوبهم،
فماتت القلوب…
وهي محشوة بالنصوص.
الحقيقة المرعبة أن اعتيادَ سماع الحق دون الخضوع له،
يورث القلب قساوةً تحجبه عنه.
يصبح الجلد سميكًا،
لا تخترقه سهام الموعظة،
بل ترتدّ عنه.
فتسمع، وتهزّ رأسك،
ثم تعود كما كنت.
لا قرار تغيّر،
ولا ذنب يُقلق،
ولا نيّة تُعاد صياغتها.
وتلك الحالة التي تسميها ثباتًا أو رسوخًا،
قد تكون في حقيقتها
موتًا سريريًا للشعور.
فالقلب الحيّ كلما ازداد علمًا،
ازداد خوفًا،
وازداد اتهامًا لنفسه.
أما القلب الذي يستثني نفسه،
فقد أعلن استغناءه عن الافتقار.
ومن استغنى… طغى،
ولو كان طغيانه بسبحةٍ وسواك.
أخطر خطأ في التعامل مع الموعظة
أن تبحث فيها عمّن تنطبق عليه،
بدل أن تبحث عمّا تخشاه منها.
وهنا يأتي السؤال الفاصل:
كيف ينبغي أن تتعامل مع أي موعظة تمرّ عليك؟
الحالات ثلاث—من حيث موقف القلب لا من حيث موضوع الكلام—لا رابع لها:
إما أن تكون واقعًا فيما يُذكَّر به،
فهنا لا يليق بك إلا الانكسار، والاستغفار،
والهرب إلى الله بلا تبرير ولا تأجيل.
وإما أن تكون قد ابتُليت به سابقًا ثم عافاك الله،
فموقفك ليس الزهو ولا الاطمئنان،
بل الشكر والخوف معًا؛
شكرٌ على العافية،
وخوفٌ من الردّة،
ودعاء:
اللهم لا تردّني بعد إذ نجّيتني.
وإما أن تظن أنك لن تقع فيه أصلًا…
وهنا—وهنا فقط—يجب أن ترتجف.
لأن هذا الظنّ ليس علامة قوّة،
بل علامة غفلة؛
إذ لا أحد يسقط من الباب الذي يراه خطرًا،
بل من الباب الذي يظنه مغلقًا.
فالموعظة لا تُقاس بمدى انطباقها عليك الآن،
بل بقدرتها على إبقائك متهمًا لنفسك،
مستيقظًا،
غير مطمئنٍّ إلى حصانتك.
الخلاصة التي لا تُجامِل
الموعظة ليست امتحانَ ذاكرة،
ولا مادة ثقافية،
بل مرآة.
فإذا وُضعت المرآة أمامك،
فانشغلتَ بجمال إطارها،
أو بنظافة زجاجها،
ونسيت القذى في عينك…
فاعلم أنك خُدعت.
فيا عبدَ الله،
لا يغرنّك طول بقائك في المسجد،
ولا كثرة محفوظاتك.
إبليس كان أعلم منك،
وكان يعبد الله مع الملائكة،
لكنه سقط…
لأنه رأى نفسه فوق الأمر.
فإذا مرّت عليك الموعظة
ولم ترتجف،
ولم تقل: يا رب، أنا المعنيّ…
فاعلم أنك لم تتجاوز الخطر.
أنت فقط…
غُصتَ فيه أعمق،
وأنت تظن أنك تطفو.
زر الذهاب إلى الأعلى