عراق الغرف المظلمة وواجهات الإعمار الزائفة: قراءة في تصفية الدولة ورهن المستقبل
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
يقف العراق اليوم أمام مفارقة تاريخية كبرى ترسم ملامح مرحلة شديدة الخطورة، حيث تتبجح الحكومة المنتهية ولايتها بما تصفه بمنجزات عمرانية وفك للاختناقات المرورية، بينما تخفي لغة الأرقام والواقع الميداني عملية تجريف كبرى لمقدرات البلاد تضعها على حافة الإفلاس السيادي. إن التساؤل الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم يبدأ من مصير الفائض النقدي الذي تجاوز مئة مليار دولار استلمتها هذه الحكومة كإرث من مرحلة إدارة الأزمات السابقة، لتعلن في نهاية مطافها عن خزينة خاوية ومديونية فلكية تزيد عن أربعين تريليون دينار عراقي مستحقة للمقاولين وأصحاب الشركات الذين أنجزوا تلك المشاريع ولم يستلموا أثمانها، مما يكشف أن “المنجز البصري” المتمثل بالمجسرات والشوارع ليس إلا ديوناً مؤجلة ستدفع ثمنها الأجيال القادمة من ثرواتها المنهوبة.
ولا يتوقف الهدر عند حدود الموازنة المعلنة، بل يمتد إلى “الثقب الأسود” المتمثل في تخصيص قرابة مليون برميل نفط يومياً لشركات التكرير والمصافي الداخلية، وهي ثروة تقدر قيمتها بأكثر من ستين مليار دولار سنوياً تدار في كواليس الغرف المظلمة بعيداً عن رقابة المواطن وموازنة الدولة الرسمية، دون أن يلمس العراقيون أثراً لهذه المليارات في ملفات الكهرباء أو الخدمات الأساسية أو حتى في تخفيف حدة الجباية والضرائب المتصاعدة التي أرهقت كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة. إن هذا الاستنزاف المنظم تزامن مع تدمير ممنهج للعمود الفقري للبلاد وهو القطاع الزراعي، حيث تُرك الفلاح العراقي يواجه الموت البطيء لأرضه بسبب غياب السياسات المائية السيادية وتأخر صرف مستحقاته المالية عن محاصيله المسلمة للدولة، في وقت تُمارس فيه السلطة دور “الكريم” بالتبرع بتلك المحاصيل لدول مجاورة لتحقيق مكاسب سياسية إقليمية على حساب المنتج الوطني المسحوق.
وفي خضم هذا الانهيار المالي والإنتاجي، عمدت المنظومة الحاكمة إلى تلميع صورتها عبر خدمات وهمية وسلة غذائية مشوبة بشبهات فساد كبرى ومواد رديئة لا تصلح للاستهلاك البشري، بالتوازي مع انهيار قيمي في المنظومة التعليمية والصحية وتصاعد مخيف في سياسات تكميم الأفواه وملاحقة الإعلاميين والأصوات الحرة التي تجرأت على كشف زيف “حكومة المنجزات”. إن الإصرار على التجديد لهذه الحكومة لدورة ثانية، والتحركات التي تجري خلف الكواليس لتقديم تعهدات واتفاقات سرية للأحزاب المتحكمة، يهدف بالدرجة الأولى إلى التغطية على هذه “البواسير” المالية والإدارية ومنع المحاسبة على مئات المليارات المفقودة، وهو ما يعني رهن العراق لأربع سنوات أخرى من التبعية والديون وتصفية ما تبقى من أصول الدولة.
إن المأساة الحقيقية تكمن في نجاح هذه القوى السياسية في زرع “ميراث اليأس” داخل الوجدان الشعبي، واستغلال حاجة الناس وعوزهم لتحويل صوت المواطن إلى بضاعة تُباع بفتات المال السياسي، حيث يتم رهن وطن بأكمله ومستقبل أجيال لم تولد بعد مقابل قيم نقدية بسيطة تسد رمق المواطن لأيام قليلة، مستغلين في ذلك غياب القيادات الوطنية الحقيقية وانعدام الثقة في المعارضة التي غالباً ما تتماشى أفعالها مع مصالح الجهات المتحكمة. إن العراق اليوم لا يحتاج إلى “مكياج عمراني” يغطي وجه الفساد، بل يحتاج إلى وقفة وعي شاملة تدرك أن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي إلى ارتطام عنيف بالواقع حيث تنتهي الدولة كمؤسسات وتتحول إلى إقطاعيات حزبية مديونة، فالتغيير لم يعد خياراً ترفياً بل هو ضرورة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تغلق الغرف المظلمة أبوابها على آخر ما تبقى من سيادة العراق وثرواته.
زر الذهاب إلى الأعلى