النصر المُعلَن… والخذلان المُستَبطَن
بقلم/عدنان صگر الخليفه
تَعُودُ علينا ذكرى يوم النصر العراقي على قوى الإرهاب الداعشي، وقد مرّت هذه المناسبة العظيمة قبل أيام قليلة، لتُفجّر مجدداً التناقض الصارخ بين عظمة التضحية ومهانة الإهمال. إنها ذكرى تزدحم فيها نفوس العراقيين بمشاعر الفخار الأبدي، لكنها تتلبد أيضاً بسحائب الحزن المرير على المصير الذي آل إليه صُنّاع هذا الفخار. فبينما يَعجُ الفضاء الرسمي بالخطب الرنانة والاحتفالات الصاخبة التي تتخذ من دماء الشهداء والجرحى “ذخيرة خطابية” لتبرير الوجود والتبجح بالإنجاز، يظل الواقع شاهداً على أن هذا النصر كان ثمناً غالياً دُفع بأجساد ودماء الأبطال، ليجدوا أنفسهم بعدها مُلقين في هوة النسيان.
إن من حق هذا الوطن، ومن واجب قادته الذين نجوا من الشتات بفضل هذه الدماء، أن يتحملوا أعباء هؤلاء الأبطال وثقل جراحاتهم وعلاجهم. لكن قصص الخذلان تتوالى، ويُعدّ ((البطل أحمد عادل فاخر))، الجريح من تشكيلات الشرطة الاتحادية، مثالاً صارخاً ومُفجعاً. وقد نُقلت إلينا هذه المأساة بأمانة من مقربين، وهي تتسق مع المعرفة التامة بأمور العديد من الشهداء والجرحى الذين ضحوا، سواء كانوا من القوات الأمنية بشكل عام أو من الحشد الشعبي بشكل خاص. هذا الشاب، الذي أُصيب في ريعان شبابه، لم يواجه خذلان العدو فحسب، بل خذلان القريب الذي تبرأ منه (زوجته) وهو على سرير العوز، ليتبعه خذلان المؤسسة التي كان ذراعها الأيمن. لقد تحوّل جسده النحيل إلى هيكل عظمي مقعد لا يقوى على أبسط الحوائج، ومع ذلك، لم يجد استجابة حتى لطلب إنساني ضئيل، كـ(عربة كهربائية) لتُعيد إليه شيئاً من كرامة الحركة، أو تأمين تسفيره للعلاج خارج البلاد حيث تستحيل علاجه داخلياً.
تتفاقم هذه المأساة عندما يُطلب من هذا الجريح المقعد أن يخوض معركة البيروقراطية المضنية لإنجاز معاملة تقاعده، التي كان من الأوجب أن تُنجز له بـعناية فائقة وتُسلم إلى عتبة داره دون عناء. وهنا تكمن المأساة الكبرى؛ إذ إن القيمة النقدية التي سيتقاضاها كتقاعد لا ولن تفي بأجور علاجه المستمر والمفروض عليه. هذا يطرح سؤالاً وطنياً قاسياً: هل هذا التقاعد المحدود هو البديل عن واجب الدولة والقادة في تأمين علاجه المتخصص في الخارج عبر لجان رسمية ذات إمكانيات كبيرة، أم سيُترك عليلاً موجعاً يستهلك قوته البسيط الذي مُنح له بعد إهانة، ليعيش في عوز كبير، خصوصاً وأنه وعائلته لا يملكون حتى مأوى دائم بل يقيمون في بيت بالإيجار؟ هذه الممارسات لا تمثل تقصيراً، بل هي إهانة ممنهجة لجوهر التضحية.
إن النصر لا يكتمل إلا بالوفاء، وعليه، يجب على الجهات المسؤولة أن تتجاوز حدود الاحتفال العابر وتتبنى العمل المؤسسي الجاد والضامن. هذا العمل يتجسد في تفعيل لجان متخصصة ذات صلاحية كاملة لتأمين العلاج النوعي للجرحى في الخارج ومتابعة أحوالهم، وضمان الرعاية الشاملة والمستدامة لعوائل الشهداء. إن تحقيق العيش الكريم لهم هو السبيل الوحيد كي تتحول ذكرى النصر إلى مناسبة للفخر المطلق، بدلاً من أن تبقى مصدراً للاشمئزاز والضغينة في نفوس أولئك الذين قدموا أغلى ما يملكون دون أن يُرد لهم الجميل بكرامة تليق بتضحيتهم.
زر الذهاب إلى الأعلى