الرئيسيةعربي ودولي

خُطط توماس باراك لتجريد المقاومة الإسلامية في لبنان، من محاولات الإنقضاض على حزب الله إلى انتكاس المشروع الأميركي بعد مجازر السويداء.

خُطط توماس باراك لتجريد المقاومة الإسلامية في لبنان، من محاولات الإنقضاض على حزب الله إلى انتكاس المشروع الأميركي بعد مجازر السويداء.

بقلم: إسماعيل النجار

*تعود الولايات المتحدة الأميركية، عبر دبلوماسيتها الناعمة وخططها السياسية المركّبة، لمحاولة إعادة صياغة المشهد اللبناني من بوابة “حصر السلاح” بيد الدولة من جديد، مستهدفة بذلك نزع سلاح “المقاومة” كأحد الأعمدة المركزية في معادلة الردع الإقليمية. هذه الخطط، التي تجسدت مؤخراً في زيارة المبعوث الأميركي الخاص توماس باراك إلى بيروت، جاءت وسط ظروف إقليمية متفجرة، أبرزها المجازر التي وقعت في محافظة السويداء السورية، والتي لعبت دورًا بالغًا في قلب المزاج الشعبي اللبناني من داعمٍ لتسليم السلاح إلى رافضٍ له، بل ومتمسك به كـ”ضمانة بقاء وجودي”.
بدايةً نبدأ من مشروع توماس باراك لتجريد لبنان من قوته ومِنعتِهِ!.
*في يونيو 2025، قدّم المبعوث الأميركي توماس باراك إلى بيروت خطة مفصلة تهدف إلى تجريد حزب الله من سلاحه خلال فترة زمنية لا تتجاوز الأربعة أشهر، على أن تُنفّذ الخطة ضمن ترتيبات دولية تتضمن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتوفير حوافز تتعلق بإعادة الإعمار والمساعدات الاقتصادية.
*ردّت الحكومة اللبنانية حينها على الخطة بمذكرة من سبع صفحات، أكّدت فيها مبدأ إخضاع السلاح لسلطة الدولة “بشكل تدريجي”، شرط ضمان انسحاب إسرائيلي كامل من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، إضافة إلى التزام دولي فعلي بتنفيذ القرار الأممي 1701. لكن الورقة اللبنانية لم تتضمن التزامًا صريحًا أو زمنيًا بتجريد شامل للسلاح، بل تعاملت مع الخطة كعملية سياسية طويلة الأمد تحتاج إلى توافق وطني شامل.
*توماس باراك، في مقابلة لاحقة، حذّر من أن محاولة فرض التجريد بالقوة قد تؤدي إلى اندلاع حرب أهلية لبنانية، مؤكدًا أن هذه المسألة تعود للبنان وحده، ولكنّ تأجيلها يحمل تداعيات خطيرة في ظلّ الأزمات الإقليمية المتصاعدة.
*فعصفت رياح مجازر السويداء بحق الإخوة الدروز على المزاج اللبناني وأحدثت إنعكاسات كبيرة بالمواقف، لتشكّل تحولًا مفصليًا في قراءة اللبنانيين، وخصوصًا المسيحيين والدروز، لمعادلة السلاح في لبنان.
قُتل خلال الأحداث أكثر من 7000 مدني، وشُرّد ما يزيد عن 170,000 شخص، في مواجهات بين عشائر البدو المدفوعين من سلطات دمشق مدعومين بما يسمى “الأمن العام” وأهالي مدينة السويداء المدنيين الآمنين، وسط غياب كامل للعدالة والإنصاف والحماية الدولية، وتواطؤ الجهات الأمنية السورية بالكامل في تسهيل إرتكاب المجازر بحق الأطفال والشيوخ والنساء. وقد أدّى هذا الانفجار الأمني إلى تدخل إسرائيلي جوي مباشر بذريعة حماية الدروز، ما زاد من تعقيد المشهد وأعاد طرح تساؤلات كبرى حول مصير الأقليات في المشرق العربي.
*في لبنان، كانت ردود الفعل دراماتيكية. فبعد أن كانت هناك أصوات بارزة تطالب بتسليم سلاح حزب الله إلى الدولة، بدا واضحًا أن المجازر السورية خلقت إجماعًا شعبيًا درزيًا ومسيحيًا على أن سلاح المقاومة يشكّل خط الدفاع الأخير أمام مشاريع الإبادة والتصفية العرقية، خاصة في ظل تنامي خطر التنظيمات الإرهابية على الحدود الشرقية، وبعض المدن اللبنانيه ذات التطرف الطائفي ،وصمت المجتمع الدولي المريب.
الرئيس جوزف عون تموضع بين التريث والتكتيك السياسي،ولم يكن بمنأى عن هذه التحولات. فقد استثمر أحداث السويداء ليبرر تريثه في الموافقة على خطة باراك. فوفق دوائر قريبة من الرئاسة، فإن “تجريد المقاومة من سلاحها في ظل مخاطر تصفية الأقليات في سوريا ووجود إسرائيل على الحدود الجنوبية، أمر يفتقر إلى الحكمة والمسؤولية الوطنية”.
*من جهة أخرى، عمدت الحكومة الجديدة برئاسة نواف سلام إلى الالتزام بنص اتفاق الطائف وقرار مجلس الأمن 1701، لكنها تحفظت على آليات التنفيذ، معتبرة أن نزع السلاح لا يمكن أن يتم دون معالجة الأسباب العميقة التي دفعت لتسليحه أساساً؟ كالاحتلال الإسرائيلي، والإرهاب التكفيري، والانقسام الطائفي الداخلي.
*أما المقاومة التي تضع نفسها بين خيار الانتصار أو الانكسار أمينها العام، الشيخ نعيم قاسم، أعلن صراحة أن “خيار تسليم السلاح هو خيار الهزيمة والسحق أمام المشروع الصهيوني والتكفيري”، معتبرًا أن ما حدث في السويداء دليل حي على ما ينتظر لبنان إن فرّط بسلاح مقاومته. وأضاف أن الحزب لا يمانع في مناقشة خطة وطنية شاملة لحماية لبنان، شرط أن لا تُفضي إلى وضع رقاب اللبنانيين تحت مقصلة العدو الإسرائيلي أو أدواته. في ظل بقاء التهديدات الصهيونية قائمة في الجنوب بالإضافه إلى الإرهاب التكفيري.

*في هذا السياق، يظل الخطر الإسرائيلي قائمًا في الجنوب اللبناني، لا سيّما بعد استمرار التهديدات الصهيونية بشن حرب واسعة، واستمرار خروقات القرار 1701. في المقابل، لا تزال الحدود الشرقية، وخاصة مناطق القاع ورأس بعلبك، مهددة ببؤر إرهابية قابلة للتفجر في أي لحظة، في ظل تقارير أمنية تؤكد نشاط خلايا نائمة مرتبطة بتنظيم “هيئة تحرير الشام” بقيادة الجولاني. هذه التهديدات المزدوجة تُعزز من سردية حزب الله والمجتمع المقاوم بأن السلاح لا يزال ضرورة وجودية، وليس فقط خيارًا سياسيًا. لذلك إن فشل المشروع الأميركي وتكريس منطق المقاومة هو الذي سيسود رغماً عن أنف واشنطن وتل أبيب.
*ويمكننا القول إن المخطط الأميركي بقيادة توماس باراك، رغم ما يحمله من وعود اقتصادية ومغريات دولية، اصطدم بواقع لبناني وإقليمي جديد ومتشابك ومعقّد. وجاءت مجازر السويداء لتقلب الطاولة، وتدفع حتى مكوّنات كانت على خلاف مع حزب الله إلى احتضان خيار المقاومة لا رفضه.
*ففي زمن المتغيرات العنيفة والانهيارات الإقليمية، لم يعد سلاح المقاومة تفصيلًا ثانويًا في السياسة اللبنانية، بل تحوّل إلى ركيزة وجودية في مواجهة مشاريع التصفية، وأداة ردع استراتيجي تُراكم القلق في تل أبيب وواشنطن على حد سواء.
لن نترك السلاح .
بيروت في،، 7/8/2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار