ما بعد الزلزال – بين المشاريع والمآلات..
ثانيًا
علاء الطائي
حين يقع الزلزال لا تنتهي الأمور عند حدود الاهتزاز والانهيار.
فالزلازل تفتح الأرض تبلع ما هو هش وتُخرج إلى السطح طبقات كانت مدفونة
وما بعد “طوفان الأقصى” لم يكن مجرّد إعادة تموضع سياسي بل لحظة فرزٍ تاريخيّ بين مشروعات ثلاثة تصارع جميعها لاحتلال موقع الصدارة في الشرق الأوسط الجديد:
١- المشروع الصهيوني – الكيان الذي دخل الشيخوخة
أول المتضررين من زلزال غزة كان المشروع الصهيوني نفسه
فالدولة التي بنت وجودها على أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” وجدت نفسها في مواجهة:
-جيش مفكك أخلاقيًا
-يقاتل بلا عقيدة.
-مجتمع مأزوم نفسيًا
-منهك من الداخل.
وقيادة سياسية فاسدة تعيش على خطابات الخوف والعدو الداخلي.
ما بعد 7 أكتوبر لم يعد العالم يصدق الرواية الإسرائيلية دون مساءلة.
حتى حلفاء تل أبيب بدأوا يتململون من “العبء الأخلاقي” خصوصًا مع مشاهد الأطفال تحت الأنقاض والمجازر اليومية التي بثّتها شاشات العالم لحظة بلحظة.
الكيان ما زال موجودًا لكنه فقد شيئًا أثمن من الأرض:
فقد الهيبة.
٢- المشروع الأمريكي – الإمبراطورية المنكشفة
أمريكا خرجت من الزلزال وهي تمشي على جمرين:
-جمر انكشاف خطابها عن “الحرية وحقوق الإنسان” حين وقفت بلا خجل مع المجازر.
-وجمر العجز عن حسم المعركة عسكريًا رغم دعمها الكامل ما أظهر محدودية “ردعها” في منطقة تعجّ بالخصوم.
اللحظة التي ظهر فيها بايدن سابقاً كأنما يحكم من تل أبيب كانت هي اللحظة التي بدأ فيها العالم يرى أن “واشنطن لم تعد تقود بل تُقاد”.
الشرق الأوسط بعد أوكرانيا وغزة صار ينظر لواشنطن باعتبارها إمبراطورية تقاتل على الهامش وتخسر في القلب.
٣-مشروع المقاومة – من المحور إلى الفكرة
أما المشروع الذي خرج من الزلزال مرفوع الرأس – رغم الجراح – فهو مشروع المقاومة.
لكن لحظة الانتصار الرمزي لا تعني النصر الاستراتيجي بعد
هناك تحديات كبرى:
-القدرة على بلورة مشروع سياسي لما بعد الحرب.
-ضبط الإيقاع بين فصائل المحور:
من اليمن إلى جنوب لبنان إلى العراق
-إدارة التعاطف الشعبي الهائل وتحويله إلى دعم منظم لا مجرّد غضب موسمي.
لكن ما لا شك فيه أن المشروع المقاوم انتقل من كونه “خيارًا لفئة” إلى كونه حالة شعبية أممية.
بات جزءًا من الضمير العالمي ومن سرديات الشعوب الحرة.
من نيجيريا إلى تشيلي صار العلم الفلسطيني رمزًا وصارت غزة أيقونة من أيقونات هذا القرن.
زر الذهاب إلى الأعلى