اتفاقية خور عبد الله بين المهاترات السياسية والحقوق السيادية:
قراءة قانونية في وسائل الإلغاء والانسحاب
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي
قال تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ – النساء 105
في خضم الجدل الشعبي والسياسي المتصاعد حول اتفاقية خور عبد الله الموقعة بين العراق والكويت، والتي تنظم الملاحة البحرية بعد العلامة 162، تروج بعض الجهات لفكرة أن الاتفاقية باتت ملزمة لا رجعة فيها بعد توقيعها وتصديقها وإيداعها لدى الأمم المتحدة، وهذا – من وجهة نظر قانونية – غير دقيق.
إن عضوية العراق في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، تتيح له وسائل قانونية معترف بها دوليًا للطعن في الاتفاقية أو إلغائها أو تعديلها، حتى وإن تم تسجيلها رسميًا. فالشرعية الدولية لا تُغني عن الشرعية الوطنية، ولا…
اتفاقية خور عبد الله بين المهاترات السياسية والحقوق السيادية:
قراءة قانونية في وسائل الإلغاء والانسحاب
قال تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ – النساء 105
في خضم الجدل الشعبي والسياسي المتصاعد حول اتفاقية خور عبد الله الموقعة بين العراق والكويت، والتي تنظم الملاحة البحرية بعد العلامة 162، تروج بعض الجهات لفكرة أن الاتفاقية باتت ملزمة لا رجعة فيها بعد توقيعها وتصديقها وإيداعها لدى الأمم المتحدة، وهذا – من وجهة نظر قانونية – غير دقيق.
إن عضوية العراق في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، تتيح له وسائل قانونية معترف بها دوليًا للطعن في الاتفاقية أو إلغائها أو تعديلها، حتى وإن تم تسجيلها رسميًا. فالشرعية الدولية لا تُغني عن الشرعية الوطنية، ولا تحصن الاتفاقية من الإبطال إذا شابها عيب جوهري.
أولا: الغلط الجوهري (المادة 48 من اتفاقية فيينا)
يمكن للعراق أن يحتج بأنه وقع في غلط جوهري عند إبرامه الاتفاقية، خاصة إذا كان الترسيم قد تم على:
خرائط غير دقيقة (مثل الخرائط البريطانية القديمة التي لا تعكس الواقع الجغرافي).
بيانات جغرافية أو ملاحية خاطئة أو مضللة.
تقارير لجنة الترسيم التي اعتمدت على قرارات أممية (مثل القرار 833) وُضعت في سياق الإكراه والضعف السيادي بعد حرب الخليج.
أمثلة مشابهة:
معاهدة فرساي 1919: التي أُلغيت لاحقًا لأنها فُرضت على ألمانيا بشروط قاسية استندت إلى وقائع مغلوطة وانتهت عمليًا في عام 1939.
اتفاقية الحدود بين إثيوبيا وإريتريا: أُعيد النظر بها بعد كشف أخطاء فادحة في ترسيم الحدود من قبل اللجنة الدولية.
ثانيًا: الفساد أو الرشوة (المادة 50).
تنص اتفاقية فيينا على أن الاتفاقية تكون باطلة إذا ثبت أن أحد ممثلي الدولة قد تعرض للفساد أو تلقى رشوة من الطرف الآخر.
وإذا ما تبين لاحقًا أن بعض المفاوضين العراقيين قد تورطوا في علاقات فساد أو خضعوا لضغوط مالية أو سياسية مقابل تمرير الاتفاقية، فإن ذلك يمنح العراق حجة قوية للطعن بها.
أمثلة أخرى:
اتفاقية كامب ديفيد (1979): أثيرت ادعاءات حول حصول مصر على مساعدات ضخمة لتمرير الاتفاقية، مما دفع لاحقًا إلى تشكيك داخلي بها.
اتفاقيات السلام في ليبيريا وسيراليون: طُعنت لاحقًا بسبب فضائح فساد مرتبطة بمفاوضيها.
ثالثًا: الإكراه السياسي أو العسكري (المادة 52).
الاتفاقية تكون باطلة إذا أُبرمت نتيجة تهديد أو استخدام القوة خلافًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
ولا يمكن تجاهل أن العراق، حين وقّع الاتفاقية في 2012، كان تحت إرث الاحتلال الأميركي، وقرارات مجلس الأمن التي فُرضت بعد غزو الكويت، مما يمثل حالة من الإكراه غير المباشر أو “الإكراه الدولي المركب”.
أمثلة داعمة:
معاهدة ميونخ 1938: التي ألغتها تشيكوسلوفاكيا بعد انتهاء الحرب بسبب توقيعها تحت التهديد بالقوة الألمانية.
اتفاق الجزائر 1975: استخدمه العراق سابقًا كحجة للانسحاب في عام 1980 بدعوى أن الاتفاق وُقع تحت تهديد إيراني ومقابل تنازلات غير متكافئة.
رابعًا: مخالفة القواعد الآمرة (المادة 53)
أي اتفاقية تنتهك قاعدة آمرة في القانون الدولي تُعد باطلة منذ البداية. ومن الثوابت في القانون الدولي، مبدأ السيادة الوطنية وعدم التنازل القسري عن الأراضي أو المياه.
إذا أثبت العراق أن الاتفاقية:
تنتهك سيادته على المياه الإقليمية،
أو أنها تمثل تنازلاً عن الحدود السيادية دون استفتاء أو غطاء شعبي أو دستوري، فإنها تخالف قاعدة آمرة، ويُحق له الطعن بها.
أمثلة موازية:
معاهدة شيمونوسيكي (1895): أُلغيت لاحقًا بسبب إجبار الصين على التنازل عن تايوان لصالح اليابان.
اتفاق جيبوتي وإريتريا 2006: أُلغي نتيجة الإكراه وعدم احترام القانون الدولي العام.
خامسًا: العيب الدستوري الداخلي
حتى لو كانت الاتفاقية مسجلة دوليًا، فإنها تبقى باطلة من ناحية الدستور العراقي إذا لم تُمرر وفق الأصول:
المادة (61) من الدستور العراقي تشترط تصويت ثلثي أعضاء البرلمان على الاتفاقيات السيادية.
وهناك مؤشرات على غياب النصاب القانوني وشبهات تجاوز للإجراءات الدستورية في تمرير الاتفاقية داخل البرلمان العراقي.
وقد اعتمدت العديد من الدول على العيب الدستوري الداخلي للطعن باتفاقيات دولية، أبرزها:
جنوب أفريقيا في اتفاقية الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية.
كوريا الجنوبية في اتفاقية أمنية مع اليابان، حيث طُعن بها لمخالفتها الإجراءات البرلمانية الداخلية.
سادسًا: الإجراءات اللازمة للطعن والإلغاء (المادة 65 من اتفاقية فيينا)
لكي يُبطل العراق الاتفاقية، يجب اتباع الخطوات التالية:
1. إرسال إخطار رسمي إلى الكويت يوضح الأسباب القانونية التي تدعو لإبطال الاتفاقية.
2. منح مهلة للمفاوضات أو الرد، وفي حال الفشل تُحال القضية إلى:
التحكيم الدولي،
أو محكمة العدل الدولية.
3. تعليق الاتفاقية مؤقتًا إلى حين صدور القرار النهائي.
الخاتمة:
الزعم بأن اتفاقية خور عبد الله أصبحت “قضاءً مبرمًا” لا ينسجم مع قواعد القانون الدولي ولا مع الواقع السيادي العراقي.
فهناك أدوات قانونية مشروعة وسوابق دولية قوية يمكن للعراق الاستناد إليها للطعن في الاتفاقية أو طلب تعديلها أو الانسحاب منها.
إن حماية سيادة العراق ومياهه وحدوده ليست موضوع مساومة، بل حق قانوني ودستوري يجب التمسك به، واستثماره على الصعيدين السياسي والقانوني بكل حكمة وحزم.
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي
مرشح مستقل
قائمة البديل
تسلسل 9
زر الذهاب إلى الأعلى