التقاريرالرئيسية

في زمن الضوضاء: الغرب يكتب مَرْثِيّتَه

في زمن الضوضاء:
الغرب يكتب مَرْثِيّتَه

علاء الطائي

 

عندما ينطق أصحاب القرار في الغرب والمخضرمون في الصحافة والاستخبارات بحقائق صادمة حول ما يُدار في الظل فإننا أمام لحظة نادرة من “التعرّي الإستراتيجي” حيث تُكسر الأقنعة ويسقط الادعاء الأخلاقي الذي لطالما ارتدى عباءة “محاربة الإرهاب” أو “نشر الديمقراطية”.

أولاً:
بين شهادة هيلين توماس وإدانة جيمس وولسي

هيلين توماس التي أمضت عمرها في دهاليز القرار الأمريكي لم تكن تنتمي لمحور مقاوم ولا لمعسكر مؤدلج بل نطقت بما رأت وعاينت وحين كتبت عن انهيار النظام العربي أمام مشروع صهيو–أمريكي معدّ بإحكام طُردت من نعيم “حرية التعبير” وشُنّ الهجوم على تصريحاتها حول “الطبخ في تل أبيب” و”الإرهاب المصنع” ليست تخمينات عاطفية بل استنتاجات شاهدة من الداخل تؤكدها لاحقًا اعترافات مثل التي أدلى بها جيمس وولسي الرئيس الأسبق لـ CIA حين قال إن الدول العربية “لن تعود كما كانت”.
هنا يصبح القول من فمهم إدانة ومن داخل حصونهم شهادة.

ثانيًا:
الإرهاب بوصفه أداة لإعادة ترسيم الجغرافيا

تُظهر المعطيات أن التنظيمات الإرهابية الكبرى من القاعدة إلى داعش لم تنشأ من فراغ بل خرجت من رحم الغرف السوداء
السؤال هنا ليس هل يدعم الغرب هذه التنظيمات؟ بل لماذا يُبقيها حيّة ثم يدّعي محاربتها؟
الجواب لأنها أداة وظيفية لتفكيك المنطقة عبر
١-خلق فوضى تُبرر التدخل الخارجي

٢-ضرب الجيوش النظامية وتفكيك الدول.

٣-تشويه الإسلام في الوعي العالمي

٤-تشريع تحالفات غير مشروعة بذريعة محاربة “الشر المطلق”.

ثالثًا:
أبناء جلدتنا… في آذانهم صمم

رغم توافر الأدلة والاعترافات والشهادات يظل أخطر ما في المشهد هو التواطؤ المحلي هنا لا نتحدث عن جهل عابر بل عن طبقة من المثقفين والسياسيين والإعلاميين أصبحت أداة طيّعة في يد مشروع التقسيم تُروّج سرديته وتُصادق على قراراته وتُجمّل قباحته..هؤلاء
١-لا يرون إلا ما يُؤمرون برؤيته

٢-يضربون المقاومة ويُحاكمون الضحية.

٣-يُقدّسون “الإعلام الحر” الذي طرد توماس، و”الديمقراطية” التي غزت العراق بالدبابات.

٤-ينهلون من حظيرة “وارمرز” الذين اختلقوا أدوات الخراب ثم نصّبوا أنفسهم قضاة العدالة.

رابعًا:
المخرجات التحليلية الكبرى

1. شهادة الخصم أقوى من احتجاج الصديق..عندما تُعلن توماس أو وولسي أو حتى مايكل مور هذه الحقائق فإننا لسنا بحاجة إلى “نظريات مؤامرة” بل إلى عقل متقد لا يخاف المواجهة.

2. معركة الوعي هي الأصل…
قبل أن نسأل لماذا يتمدد المشروع الصهيوني أو الإمبريالي علينا أن نسأل لماذا يتراجع الوعي المحلي ويغيب عن معركة الإدراك؟

3. السكوت خيانة….
التواطؤ ليس فقط بفعل بل أيضًا بصمت والنخبة التي تزيّن القبح أو تبرّر الفوضى تشارك في الجريمة ولو بربطة عنق.

4. العراق وسوريا ولبنان واليمن… نماذج واضحة… الدول التي استهدفتها هذه الاستراتيجية باتت ساحات اختبار للمشروع ذاته… ١-تقسيم
٢-تآكل السيادة
٣- انهيار الدولة المركزية.

5. الصدام قادم إن لم نبادر…
ما لم يتحوّل الوعي إلى ممانعة سياسية وثقافية واستراتيجية فسنُسلّم ما تبقى إلى الجرافات القادمة من مطابخ تل أبيب وواشنطن.

المآل……
لم يعد بالإمكان التذرّع بالضباب
الرؤية واضحة والشهود من الداخل قد أدلوا بدلوهم…فهل نُبقي على الصمم في آذاننا؟
أم ننهض قبل أن يُكتب علينا أن نشهد على أنفسنا كما شهدوا علينا؟
ما نُقل عن هيلين توماس لم يكن مجرد رأي صحفية غاضبة في شيخوختها بل كان نداء استغاثة صادق من داخل معسكرٍ يدّعي المدنية وهو يعلم جيدًا أنه يذبحنا بابتسامة… فهل نبتسم له بالمقابل؟
إن صدق هذا الصوت من قلب مؤسسات الإعلام الأمريكي فقد جاء مصداقُهُ لاحقًا من رأس هرم السلطة في واشنطن… ففي حملته الانتخابية الأولى لم يتردد دونالد ترامب في اتهام هيلاري كلينتون وباراك أوباما بأنهما صانعا تنظيم “داعش” داعيًا إلى محاسبتهم.. لكن في دورته الثانية كان هو نفسه من أعاد تأهيل الجماعات التكفيرية ورفع عنها العقوبات ومنحها الغطاء في سوريا وأفغانستان…فما الذي يمنع إذاً أن نشهد قريبًا إعادة صياغة شرعة حقوق الإنسان و”القانون الدولي” و”الديمقراطية الغربية” على مقاس “شريعة الجماعات التكفيرية”؟
بل ما الذي يمنع أن تتحول هذه القيم التي أُنتجت تاريخيًا باسم العقل والتنوير إلى أدوات لضمان البقاء والتفوق ولو اقتضى الأمر إحراق العقل ذاته؟
إن التاريخ لا يسير إلى الأمام بالضرورة… أحيانًا يعود القهقرى فقط بثياب أكثر أناقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار