التقاريرالرئيسية

دراسة تحليلية: العراق بين جمود الواقع وتعقيدات المستقبل

دراسة تحليلية: العراق بين جمود الواقع وتعقيدات المستقبل

(16 تموز 2025)

إعداد/الكاتب والباحث والمحلل السياسي/ عدنان صگر الخليفه

يعيش العراق اليوم مرحلة بالغة التعقيد، تتشابك فيها عوامل داخلية متأصلة مع ديناميكيات إقليمية ودولية متضاربة، لتشكّل مشهداً سياسياً وأمنياً يطرح تساؤلات جوهرية حول مساره المستقبلي. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الواقع العراقي الراهن، مستعرضة أبرز ملامحه وتداعياتها، ومتوقعة سيناريوهات المستقبل في ظل هذه التحديات الجسام.
طبيعة المشهد السياسي العراقي
يتسم النظام السياسي في العراق، الذي تشكّل بعد عام 2003، بكونه نظام محاصصة طائفية وعرقية، أفسح المجال لتغلغل قوى سياسية متعددة الولاءات في مفاصل الدولة. وقد شهدت هذه المرحلة تحولاً لافتاً تمثل في صعود فصائل مسلحة باتت تمتلك أجنحة سياسية قوية وممثلة في البرلمان والحكومة. هذا التحول لم يمنحها شرعية دستورية فحسب، بل عزز نفوذها داخل مؤسسات الدولة. وتتسم بعض هذه الأطراف بتبنيها الأيديولوجي لنموذج الثورة الخمينية الإيرانية، مما يشكل ولاءً يتجاوز مفهوم الدولة الوطنية العراقية ويرسخ تحدياً لسيادتها. الأدهى من ذلك، أن هذه الفصائل تعمل على بناء ما يمكن وصفه بـ”البرنامج الموازي”؛ قدرات عسكرية، أمنية، وحتى اقتصادية خاصة بها، تعمل بالتوازي مع مؤسسات الدولة الرسمية، بل وتتغلغل فيها وتستمد مقدراتها منها. هذا البرنامج الموازي يمنحها استقلالية في القرار والتمويل، ويعزز من نفوذها الاستراتيجي، ويجعلها قادرة على التكيف مع أي تغييرات شكلية محتملة دون المساس بجوهر قوتها.
تآكل المعارضة ومأزق المشاركة
في ظل هذا الواقع، يغيب عن الساحة العراقية وجود قوة سياسية داخلية أو خارجية فاعلة ومستقلة تماماً عن المنظومة الحاكمة، قادرة على فرض تغيير جذري. فقد أثبت النظام قدرة هائلة على استيعاب وامتصاص القوى التي كانت تُدعى “معارضة”. هذا الاستيعاب لم يكن بالضرورة نتيجة قوة النظام ذاتها، بقدر ما كان نتيجة ضعف في المبادئ أو غياب الرؤية لدى تلك القوى، التي تخلت عن معارضتها (والتي كانت غالبًا مدفوعة بعدم وصولها للسلطة) وانخرطت في النظام لتحقيق مكاسب ومناصب شخصية وحزبية. هذا الانخراط في العملية الانتخابية تحت القوانين الحالية يمنح شرعية إضافية للنظام القائم، ويساهم في إعادة إنتاجه، مما يلغي عملياً أي إمكانية لتغيير حقيقي من الداخل عبر الأدوات السياسية التقليدية. النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي تآكل عميق للثقة الشعبية وإحباط كبير لدى غالبية العراقيين، الذين لا يجدون من يمثلهم بصدق أو من يمكنه إحداث فرق حقيقي في واقعهم، مما يؤثر سلباً على نسبة المشاركة في الانتخابات.
تداخل المصالح الدولية والإقليمية
تتعقد الصورة أكثر بتداخل المصالح الدولية والإقليمية. فرغم الخطاب الرسمي الأمريكي عن دعم عراق مستقر وديمقراطي، تميل السياسة الأمريكية إلى تجنب التدخلات العميقة والمكلفة، وتُفضل الحفاظ على “استقرار مدار” أو “تعقيد جزئي” يخدم أهدافها في احتواء النفوذ الإيراني ويبرر وجودها في المنطقة، دون تحمل مسؤولية بناء دولة مثالية. وقد وجد النفوذ الإيراني المتصاعد في العراق مبرراً رئيسياً للوجود العسكري والدبلوماسي الأمريكي، وساهم بشكل غير مقصود في تسريع وتيرة التقارب والتطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، حيث باتت الأخيرة تُرى كشريك محتمل في مواجهة التهديد الإيراني. من جهة أخرى، يبدو أن بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا، تستفيد مالياً بشكل هائل من استمرارية “الراديكالية” أو التوترات في المنطقة عبر صفقات الأسلحة والاستشارات الأمنية. هذا الواقع يقلل من حافزها لدفع العراق نحو استقرار كامل. كل هذه العفاعيل تتضافر مع استراتيجية “وهم التغيير” التي تتبعها أطراف دولية وبعض الشخصيات العراقية ذات النفوذ في الخارج، من خلال تصريحات تزرع أملاً زائفاً بحدوث تغيير قريب، بهدف إدارة التوقعات وإبقاء الشعب في حالة انتظار، مما يخدم مصالح القوى المتسلطة ويمنع أي تحرك جذري.
المستقبل المتوقع للعراق وتحديات التغيير
بالنظر إلى هذا التشابك المعقد في المصالح وغياب الإرادة الحقيقية للتغيير الجذري من الداخل والخارج، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرارية النظام السياسي العراقي على حاله تقريباً، مع استمرار تحدياته الجوهرية المتمثلة في الفساد، والنفوذ الأجنبي، وتآكل السيادة، وعلى الأقل لعقد من الزمان. في هذا المشهد، يصبح الشعب العراقي هو “المعارضة الوحيدة” الحقيقية، حيث تُنتهك حقوقه ومقدراته وتُصادر إرادته دون وجود تمثيل سياسي فاعل له. تحقيق التغيير المنشود من قبل المجتمع العراقي يبدو بعيد المنال في ظل هذه المصالح المتضاربة. فالآليات الديمقراطية القائمة (كالانتخابات) لا تعمل بكامل طاقتها لإحداث التحول المطلوب، بل تُساهم في إعادة إنتاج النظام. ومع استمرار دورة الوعود الكاذبة وانخراط “المعارضة” في السلطة، من المتوقع أن يتعمق اليأس لدى الشعب، ويزداد عزوفه عن المشاركة السياسية، مما يؤدي إلى مزيد من الجمود. في المحصلة، يواجه العراق معضلة بنيوية عميقة، ويظل تحقيقه لأي تحول حقيقي مرهوناً بضغط شعبي غير مسبوق يكسر هذه الدائرة، أو بتحولات جيوسياسية كبرى خارجة عن السيطرة الداخلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار