العراق: حصار الطائفية وفساد “الوطنية” الزائفة(15 تموز 2025)
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
يجد العراق نفسه اليوم أسيراً لدائرة مفرغة من الفساد المستشري، يتفاقم مع كل دورة انتخابية، ولا يبدو أن هناك أفقاً للتغيير الحقيقي في الأفق المنظور. المشهد السياسي في البلاد لم يعد يعكس حراكاً ديمقراطياً بناءً، بل تحوّل إلى مسرح تُعرض فيه ذات الوجوه والأحزاب المتهمة بإغراق البلاد في أزماتها المتتالية، ولكن بثوب جديد وشعارات مضللة.
لقد أصبحنا أمام حقيقة مؤلمة: المؤسسة التشريعية، التي من المفترض أن تكون حامية الدستور وسيادة الوطن، تتحول فيها النقاشات إلى تبادل للشتائم والألفاظ البذيئة، حتى من أعلى هرمها المتمثل برئيس مجلس النواب ونائبه. وعندما يُطالب أحدهم بتطبيق القانون، يأتيه الرد الصادم من زميله بأن “لا قانون في العراق”. هذا الاعتراف المباشر من داخل بيت التشريع يُشير إلى انهيار مفهوم الدولة وسيادة القانون، ويُبرّر ضمنياً الإفلات من العقاب لأي تجاوز، مهما كان حجمه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالخلافات بين السلطات تتجاوز حدود الاختصاص لتصبح صراعاً علنياً على حساب المصلحة الوطنية. فبينما تحكم المحكمة الاتحادية لصالح حق العراقيين في قضية سيادية كخور عبد الله، نجد أن رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية ترفضان هذا الحق وتطالبان القضاء بالعدول عن قراره، في تدخل سافر وغير مسبوق. وفي المقابل، يمتنع مجلس النواب عن التصويت لإلغاء الاتفاقية أو تأكيد حق العراق، مفضلاً المهادنة والتنازل عن جزء حيوي من “رئة العراق” للكويت، كما يُصوره الشعب. هذه المواقف ليست مجرد أخطاء إدارية، بل هي خيانة واضحة للقسم الدستوري وتضحية بمصالح الوطن العليا.
المعضلة الكبرى تكمن في أن ذات الكتل والقيادات التي تتخذ هذه المواقف المُخيبة للوطنية هي نفسها التي تُعيد ترشيح نفسها في الانتخابات القادمة. بل الأسوأ من ذلك، أنهم يُقدمون “وجوهاً جديدة” لتتصدر المشهد، ليس بهدف الإصلاح، بل لتغطية الفساد المتراكم وتجديد شرعية منظومة الفشل. هذه الوجوه الجديدة غالباً ما تكون واجهات لقيادات قديمة لا تزال تُدير الأمور من خلف الستار، وتضمن استمرارية نفس النهج المُنهك للعراق.
وفي محاولة أخيرة لدهاء سياسي مكشوف، تلجأ هذه الأحزاب إلى تكتيك “فوبيا التغيير”. يُحاولون إيهام الشعب بأن أي تغيير في النظام السياسي سيؤدي حتمًا إلى “فوضى عارمة” و”فتنة طائفية مقيتة”، وذلك بهدف وحيد: الحفاظ على وجودهم في السلطة وضمان بقاء نفس المنظومة التي استنزفت العراق. إنهم يستغلون مخاوف الناس من المجهول، ويُهددون بأشباح الطائفية، ليُبرّروا بقاءهم رغم فشلهم وفسادهم، وكأن الفساد بحد ذاته ليس شكلاً من أشكال الفوضى، بل هو الفوضى المنظمة التي تُدمّر الدولة من الداخل.
إن العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق حرج. المواقف الحقيقية لهذه السلطات والقيادات قد كشفت وجوههم الحقيقية للعراقيين. السؤال المطروح الآن هو: هل سيستطيع الشعب العراقي كسر هذه الحلقة المفرغة من التضليل والخداع، والتحرر من حصار الطائفية وفساد “الوطنية” الزائفة، ليُصوّت من أجل مستقبل حقيقي لبلاده؟
زر الذهاب إلى الأعلى