اتفاقية خور عبد الله: مسمار جحا في قلب السيادة العراقية
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
باحث ومحلل سياسي
تُعد اتفاقية خور عبد الله ملفًا شائكًا في العراق، يثير الجدل حول السيادة والمصالح الوطنية. هذا الممر الملاحي الحيوي، الذي يربط العراق بالخليج العربي ويؤثر على موانئه ومستقبله الاقتصادي، لا يزال قضيّة معلقة رغم كل ما أثير حولها. فلماذا لم تُحسم بعد؟ الإجابة تكمن في كونها ليست مجرد مسار قانوني، بل هي مناورة سياسية معقدة تُستخدم لمكاسب انتخابية آنية وحماية أطراف فاعلة، مع إبقاء الملف مفتوحًا كـ “مسمار جحا” يُستخدم في الأوقات المناسبة.
قضت المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قانون تصديق اتفاقية خور عبد الله لمخالفته الدستور الذي يشترط تصويت ثلثي أعضاء مجلس النواب. كان من المفترض أن يعود الأمر للبرلمان لإعادة التصويت، لكن إرجاع الملف إلى مجلس الوزراء دون تصويت فوري أثار تساؤلات جدية. الاتفاقية تم توقيعها عام 2012 من قبل حكومة نوري المالكي وصُوت عليها في البرلمان برئاسة أسامة النجيفي بأغلبية بسيطة. العديد من الشخصيات والكتل السياسية المسؤولة عن ذلك لا تزال فاعلة اليوم، بمن فيهم رئيس الوزراء الحالي الذي كان عضوًا في حكومة المالكي، مما يثير الشكوك حول طبيعة “الخطأ الإجرائي”.
إن طريقة التعامل مع الاتفاقية تؤكد أن الأهداف تتجاوز تصحيح الخطأ. إرجاع الملف لمجلس الوزراء وتأجيل حسمه في البرلمان الحالي هو استراتيجية سياسية متقنة لحماية الكتل البرلمانية من اتخاذ قرار حاسم قبل الانتخابات، وتجنب المسؤولية المباشرة عن قرار قد يثير الغضب الشعبي. تتحول القضية إلى أداة انتخابية: المعارضة تعلن “النصر المؤقت” لكسب الدعم، بينما المؤيدون يستغلون التأجيل لتجنب المواجهة، مع نية إعادة طرح الملف بعد الانتخابات. هذا ليس رفضًا قاطعًا، بل هو “بيع مؤجل” قد يمرر لاحقًا في ظروف سياسية مواتية.
يُصنّف العراق دوليًا كـ “فرصة أخيرة” لترسيخ استقراره، لكن هذه الفرصة لم تُستغل في إصلاحات جوهرية. ومع ذلك، تفضل القوى الدولية التعامل مع حكومات مستقرة نسبيًا، وتؤجل الالتفات الجاد لمشاكل العراق الداخلية في ظل اضطرابات المنطقة. هذا يمنح الأحزاب الحاكمة “عمرًا مديدًا” ويسمح بتأجيل قضايا حساسة كخور عبد الله. إن إعلان “النصر المؤزر” من قبل الأطراف التي عارضت الاتفاقية، في حين أنها لم تُحسم بل أُجلت فقط، هو دليل على توافق ضمني على أجندة سياسية. هذا “النصر المُعلن” يكشف عن مكسب انتخابي فوري ويُسهم في إيهام الشعب بالحسم، بينما قبول الأطراف المؤيدة بهذا التأجيل يشير إلى توافق على “مسرحية” سياسية تخدم مصالح الجميع في الوقت الراهن وتجنّب كشف المسؤوليات قبل الانتخابات. “مسمار جحا” لم يُقتلع، بل أُعيد إلى علبة الأدوات السياسية ليُستخدم مجددًا.
في الختام، تحوّل ملف اتفاقية خور عبد الله إلى نموذج لكيفية توظيف القضايا الوطنية المصيرية في لعبة السياسة والمكاسب الانتخابية. ما حدث ليس حلًا جذريًا، بل هو تأجيل مدروس يحمي مصالح الأطراف السياسية المتنفذة، مع إبقاء الباب مفتوحًا لإعادة تفعيل الاتفاقية. على المواطن العراقي أن يكون يقظًا ولا ينخدع بالانتصارات المؤقتة أو التأجيلات الظاهرية. فخلف الكواليس، قد تكون الأطراف جميعها متفقة ضمنيًا على أجندة تخدم بقاءها في السلطة، حتى على حساب المصالح الوطنية العليا. إن اتفاقية خور عبد الله لم تُغلق بعد، ولا تزال تشكل تهديدًا كامنًا للسيادة العراقية. لذا، فإن المساءلة المستمرة والضغط الشعبي الواعي يظلان أدوات أساسية لحماية مستقبل العراق
زر الذهاب إلى الأعلى