صراع النفوذ في كردستان: الأبعاد الخفية للخلافات القبلية والاقتصادية
بقلم عدنان صگر الخليفه
في المشهد السياسي والاقتصادي المعقد لإقليم كردستان العراق، تتكشف فصول صراع متجذر يتجاوز الخلافات العابرة ليلامس جوهر توزيع السلطة والموارد. إنه صراع مستمر، لا سيما بين عائلة البارزاني ذات النفوذ الواسع والقبائل الكبرى الأخرى، وفي طليعتها قبيلة الهركي العريقة التي يرأسها الشيخ جوهر الشيخ محي الدين الهركي، زعيم شقيها السوراني والبهديناني. هذا التوتر ليس وليد اليوم، بل يمتد لعقود طويلة، راسماً ملامح ديناميكية معقدة في الإقليم.
تتجسد جذور هذا الصراع بشكل ملموس على الأرض؛ فالمعارك التي شهدتها الآونة الأخيرة، والتي قد يتم تأويلها أحياناً كاشتباكات بين البيشمركة والقبائل، هي في جوهرها دفاع مستميت من جانب القبائل عن أراضيها ومقدراتها. قبيلة الهركي، على سبيل المثال، تجد نفسها في مواجهة مستمرة لحماية الأراضي التي تقطنها. هذه المناطق ليست مجرد مساحات جغرافية عادية، بل هي غنية بآبار النفط والمجمعات الصناعية والزراعية الخصبة. فمناطق مثل قضاء خبات التابع لمحافظة أربيل، وأسكي كلك في نينوى، بالإضافة إلى تجمعات مثل طوبزاوة، جديدة، كوره كوسك، وحوارة (هويره) التي تفصلها الأنهار الرئيسية كالزاب ودجلة، تعد محاور اقتصادية واستراتيجية حيوية. ووفقاً للمعلومات المتوفرة، فقد تم الاستحواذ على غالبية هذه الأراضي والموارد من قبل عائلة البارزاني، غالباً عبر شخصيات ثانوية أو أفراد يدينون بالولاء المطلق للعائلة، مما يرسخ سيطرتها غير المباشرة والمباشرة على الموارد الحيوية.
إن نفوذ عائلة البارزاني لا يقتصر على السيطرة الداخلية على الأراضي والموارد الكردية فحسب؛ بل يتجلى أيضاً في علاقتها مع الحكومة المركزية في بغداد. حيث تبرز مطالبة الإقليم بحصته الكاملة من الموازنة الاتحادية، في الوقت الذي يُشار فيه إلى عدم الالتزام بتسليم المقدرات النفطية وغيرها من الموارد المتفق عليها إلى المركز. هذا النمط يعكس رغبة واضحة في الهيمنة المطلقة على الموارد الاقتصادية، ويؤشر إلى أن كردستان، في ظل هذا النفوذ، باتت تُشبه إلى حد كبير “ملكية خاصة” لعائلة واحدة. هذا الوضع لا يضع القبائل الكبرى الأخرى كـالزيبارية والكورانية في موقف حرج فحسب، بل يجعلها عرضة للاعتداءات المتكررة إذا ما حاولت الخروج عن دائرة هذا النفوذ. والدليل الواضح على هذا الضغط يتمثل في اضطرار شخصيات قيادية مثل رئيس قبيلة الهركي للجوء إلى مناطق نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني (الطالباني) بحثاً عن الأمان والحماية من أي تهديدات محتملة.
إن هذا السعي الدؤوب للهيمنة، والذي لم يظهر اليوم بل تمتد جذوره عبر عقود طويلة، يرسم صورة معقدة لمستقبل الاستقرار الداخلي في إقليم كردستان. فبينما تسعى عائلة البارزاني لترسيخ سيطرتها المطلقة على الأرض والموارد، تجد القبائل الأخرى نفسها أمام تحدٍ وجودي: إما القبول بالوضع الراهن والانضواء تحت لواء هذا النفوذ، أو المقاومة والدفاع عن هويتها وحقوقها ومقدراتها، مهما كانت التحديات. هذا الصراع المستمر يؤكد أن قضايا النفوذ والأرض والثروة ستبقى محركاً رئيسياً للعديد من الأزمات في المنطقة، وقد تحمل في طياتها تداعيات أوسع على المشهد السياسي والأمني في العراق ككل.
زر الذهاب إلى الأعلى