التقاريرالرئيسية

حرب التصريحات: صراع المصداقية والواقع في الشرق الأوسط وتداعياته المستقبلية (25 يونيو 2025)

حرب التصريحات: صراع المصداقية والواقع في الشرق الأوسط وتداعياته المستقبلية
(25 يونيو 2025)

الكاتب والباحث والمحلل السياسي/عدنان صگر الخليفه

شهدت المنطقة مؤخراً فصلاً حاداً من الصراع بين الكيان الصهيوني وإيران، تخلله تدخل مباشر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. تجلت هذه المرحلة في تصريحات حاسمة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن بوضوح عن نجاح بلاده وإسرائيل في تدمير البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل ونهائي، وصولاً إلى إعلانه “حان الآن موعد السلام” بعد توقف متبادل للضربات الجوية والصاروخية من الجانبين. هذه التصريحات، التي عززها مسؤولون أمريكيون آخرون، رسمت صورة انتصار عسكري حاسم، وتوافق ذلك مع رغبة إيرانية سابقة في إيقاف الضربات الصاروخية على إسرائيل بمجرد توقف الأخيرة عن استهداف الأراضي الإيرانية.
يمكن تفسير هذه التصريحات القاطعة عن “النصر النهائي” لا على أنها مجرد وصف للحقائق الميدانية بدقة مطلقة، بل كجزء من استراتيجية أوسع ترمي إلى تحقيق عدة أهداف. من المرجح أن تكون الدوافع الأساسية وراءها هي الحفاظ على ماء وجه القوى المهاجمة وإعلان انتصارها للعالم، مما يعزز صورتها كقوة عالمية قادرة على الردع وتوفير مخرج “مشرف” من مرحلة الصراع المباشر التي قد تكون مكلفة أو مستنزفة للأطراف. إعلان ترامب بوقف الضربات وشكره للأطراف يؤكد الدور الأمريكي المركزي في إنهاء التصعيد.
إذا كانت الحقيقة، على النقيض من هذه التصريحات، أن إيران لا تزال تمتلك قدراتها النووية الأساسية من مفاعلات وأجهزة طرد ويورانيوم مخصب، فإن هذا يغير المشهد بالكامل. في هذه الحالة، ستكون إيران قد حققت نصراً استراتيجياً هائلاً بصمودها في وجه أقصى درجات الضغط العسكري، مما يفضح التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع على الأرض. هذا من شأنه أن يقوض بشكل كبير مصداقية الولايات المتحدة وإسرائيل على الساحة الدولية، ويجعل أي ادعاء مستقبلي لهما بامتلاك إيران لبرنامج نووي محل تشكيك عميق، لأنه سيكون بمثابة تكذيب لتصريحاتهما السابقة وبيان لفشلهما العسكري والاستخباراتي.
الحرب لم تكن مقتصرة على الملف النووي فقط؛ بل كانت جزءًا من أجندة أوسع تشمل كبح النفوذ الإقليمي الإيراني، والبرنامج الصاروخي، والصراع على القيادة في المنطقة. وبما أن هذه الأجندات لم يتم حسمها بالكامل من خلال المواجهة الأخيرة، فإن مرحلة “ما بعد الحرب” ستشهد عملاً متوازياً على جبهات متعددة.
المسار الأول سيكون من خلال المفاوضات مع إيران. هذه المفاوضات، إذا ما حدثت، لن تركز على “إنهاء” البرنامج النووي الإيراني، لأن الأطراف أعلنت عن إنهائه بالفعل. بدلاً من ذلك، ستتحول الأجندة نحو ضمانات عدم إعادة بناء القدرات النووية (في حال استمرارها)، وبرنامج إيران الصاروخي، ونفوذها الإقليمي، مع سعي إيران لرفع العقوبات. ستكون هذه المفاوضات أقرب إلى الندّية لإيران، التي ستدخلها من موقع صمود نسبي، مستفيدة من التناقض في تصريحات خصومها.
المسار الثاني، والأكثر تعقيداً، سيكون العمل على أرض الواقع في الداخل العراقي. نظراً لأن العراق يُنظر إليه كساحة حيوية للنفوذ الإيراني، وتفتقر منظومته السياسية الحالية إلى القدرة الكاملة على اتخاذ قرار مستقل بعيداً عن هذا النفوذ، فمن المتوقع أن تسعى الولايات المتحدة لكبح جماح إيران من خلال العراق. هذا لن يقتصر على الضغط الاقتصادي المحدود، بل قد يتجاوزه إلى محاولة التدخل في المنظومة السياسية العراقية لإيجاد أو دعم قوى جديدة أو تعزيز مؤسسات الدولة القادرة على تنفيذ أجندة الحد من النفوذ الإيراني. غير أن هذا المسعى محفوف بمخاطر جمة قد تؤدي إلى زعزعة استقرار العراق بشكل كامل، وإثارة صراعات داخلية جديدة، وفقدان أي شرعية لنظام يُنظر إليه على أنه مفروض من الخارج.
في الخلاصة، لم تُنهِ الحرب الجارية الصراع بشكل كامل، بل نقلته إلى مرحلة جديدة. فبينما أُعلن النصر على جبهة واحدة لأسباب استراتيجية، تبقى أجندات متعددة تتطلب مقاربات متوازية، تجمع بين الضغط الدبلوماسي والعمل الميداني المعقد. إن هذا الوضع يضع مسألة مصداقية الأطراف المتصارعة على المحك، ويُشكل المشهد المستقبلي للمنطقة في ظل تنافس استراتيجي لا يزال بعيداً عن نهايته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار