ترامب ــ إيران ـ والضربة الرمزية قراءة في مشهد معقد
علاء الطائي
ما شهدناه مؤخرًا من تصعيد أمريكي ضد أهداف مرتبطة بإيران في المنطقة ليس سوى فصل جديد من فصول التوتر المزمن ولكن هذه المرة بلون مختلف أقرب إلى الاستعراض منه إلى المواجهة الحقيقية الضربة الأمريكية التي قادها رجل يتقن تمثيل الفوضى بثقة ويتخذ من التهويل والمبالغة قناعًا لقوة زائفة فيُشوش المشهد السياسي لأعظم دولة وهو يلوّح بعينين لا تستقران وألوان لا تهدأ وكلمات لا تُمسك وتحمل في جوهرها دلالات أقرب إلى ذرالرماد في العيون منها إلى فعل استراتيجي محسوب النتائج فالرئيس الأمريكي البراغماتي حتى النخاع سعى من خلالها إلى إرضاء أطراف متعددة “الإسرائيليون والجمهوريون وقاعدته الانتخابية” دون أن يقطع شعرة معاوية مع طهران أو مع بعض حلفاء واشنطن في الخليج ولكن ما غاب عن ترامب على ما يبدو هو الفهم العميق للعقلية الإيرانية هذه العقلية لا تتعامل مع الأحداث من منظور انفعالي أو ردة فعل آنية بل تنتمي إلى مدرسة سياسية تمارس فن الصبر الاستراتيجي وتمتلك مخيلة دبلوماسية واسعة تشكلت عبر قرون من التاريخ والتجربة والاحتكاك مع قوى العالم…
أولاً… لم يمتلك ترامب تلك الكاريزما المطلوبة للتفاوض مع الإيرانيين فالمفاوض الإيراني ليس خصمًا سهلاً ولاساذجًا إنه مفاوض متمرس يعمل ضمن بنية عقلية معقدة ترى في الزمن والرمز والاستنزاف وسائل فاعلة في السياسة الدولية.
ثانياً… ترامب دخل مع إيران في حالة من الاستعراض الإعلامي متأثرًا بالسردية الإسرائيلية التي ترى في طهران تهديدًا وجوديًا يجب استئصاله لكن هذه المقاربة لم تنتج تفاهمًا ولم تحقق مكسبًا ملموسًا بل غذّت مشاعر التحدي داخل إيران ورسّخت سردية الصمود في وجه الغطرسة الأمريكي
وفي تجاهله لخبرة الديمقراطيين في المفاوضات النووية لم يستفد ترامب من تجربة باراك أوباما التي أفضت رغم تعقيداتها إلى اتفاق خفّف التوتر ومكّن المجتمع الدولي من الوصول إلى آلية رقابة نووية ذات مصداقية
إن مقارنة موجزة بين ترامب بايدن في التعامل مع إيران الإسلامية..
-ترامب..سياسة الضغوط القصوى انسحاب أحادي من الاتفاق النووي
– بايدن..سعي مشروط للعودة إلى الاتفاق النووي نهج دبلوماسي مرن
– ترامب.. شبه غياب للحوار وضع شروط صارمة ومهينة
-بايدن.. تواصل غير مباشر عبر وسطاء مرونة في الطرح لكن بحذر
في ذات الوقت التأثير الإسرائيلي
-ترامب.. نفوذ مباشر وقوي تطابق شبه كامل في السياسات
– بايدن..تأثير قوي لكن أقل حدة وهيمنة من عهد ترامب
وفي المقاربة العسكرية
-ترامب.. تصعيد ميداني اغتيالات مثل قاسم سليماني رسائل ردع قوية
– بايدن..حذر عسكري اعتماد على الردع دون التصعيد المباشر.
والعلاقة مع دول الخليج
-ترامب دعم مطلق للسعودية والإمارات ضد إيران.
-بايدن توجه نحو التوازن تعزيز العلاقات مع قطر وعُمان.
إذن الفرق الجوهري بين الرئيسين أن بايدن رغم تباطئه لا يسعى لصناعة أزمة بقدر ما يحاول احتوائها بينما سعى ترامب إلى استثمار الأزمة داخليًا واستخدامها كورقة سياسية في الداخل الأمريكي.
إن إيران لم تخسر… بل ربحت
واعتقد إن إيران خرجت من هذه الجولة وقد حققت مكاسب معتبرة على أكثر من جبهة
١- عسكريًا وميدانيًا.. لم تُكسر هيبتها واستمرت في إيصال الرسائل دون انجرار لحرب شاملة
٢- دبلوماسيًا.. استطاعت أن تحشد تعاطفًا دوليًا من أطراف ترى أن الولايات المتحدة تتصرف خارج حدود القانون الدولي.
٣- إعلاميًا.. استطاعت تغيير جزء كبير من السردية العالمية حولها ولم تعد تُنظر إليها كـ”الخطر المطلق”.
٤-سياسيًا داخل الكيان الصهيوني أسهمت إيران بشكل غير مباشر في مفاقمة الانقسام داخل المجتمع والسياسة الإسرائيلية ما يضعف جبهة تل أبيب.
أعتقد القوة ليست في الردّ بل في الاحتواء أن الذكاء السياسي في هذه اللحظة لا يكمن في التصعيد بل في استثمار التردد الأمريكي والشرخ داخل الجبهة الغربية وفتح نوافذ جديدة للفعل السياسي بعيدًا عن الاستدراج إلى معركة لا وقتها ولا أدواتها متوفرة.
أخيراً
الضربة الأمريكية كانت رمزًا للعجز أكثر من كونها تعبيرًا عن السيطرة
أما التريث الإيراني فكان تعبيرًا عن ثقة عميقة بزمن طويل النفس
العالم اليوم يتغير لكن هذا التغير لا يُدار عبر استعراض القوة فقط بل عبر إعادة تعريف القوة نفسها
وإذا كانت الضربات العسكرية تُستخدم كرسائل فإن الحكمة تكمن في فهم الرسالة… لا في الرد الانفعالي عليها
في لعبة الأمم من يمتلك المخيلة الأطول هو من يكتب التاريخ.
زر الذهاب إلى الأعلى