أخر الأخبارالرئيسية

إيران… الدولة التي حسبت لكل شيء حسابه

إيران… الدولة التي حسبت لكل شيء حسابه

بشير ربيع الصانع

من يظن أن استهداف المنشآت النووية الإيرانية هو نهاية المعركة، فهو لم يعرف حقيقة المعركة بعد، ولم يدرك عمق ما تواجهه إيران، ولا طبيعة المسار الذي اختارته لنفسها. فالمواجهة مع طهران ليست مواجهة عسكرية فحسب، ولا أمنية في ظاهرها فقط، بل هي مواجهة بين مشروع الهيمنة ومشروع الاستقلال، بين عقل يتغذى على الطمع والاستكبار، وعقل يتغذى على الإيمان بالسنن الإلهية والبصيرة الربانية.

إيران ليست دولة تُفاجَأ. إنها من القلائل الذين رسموا خطواتهم قبل أن تطأها الأقدام، وجهزوا لكل مرحلة عدتها، ولكل تصعيد خطته، ولكل ضربة محتملة مخرجها وبديلها. المنشآت النووية التي حاول العدو استهدافها قد أُعيد ترتيبها ونقلها ونسخها، بل وأُحيطت بما لا يُرى ولا يُقال. فهذه الدولة لا تنتظر الضربات لتردّ، بل تُدير الضربات لتكشف نوايا العدو وتُنهكه وتستهلك أوراقه.

ومن يتوهم أن تصفية قائد أو اغتيال عالم أو تفجير منشأة سيوقف عجلة إيران، فهو لم يفهم طبيعة هذا الكيان الفريد. فإيران لا تُبنى على الأفراد بل تُبنى على منظومة، ولا تعتمد على الرموز بل تصنعهم وتصقلهم وتُجدّدهم، وكل قائد يُستشهد يولد مكانه ألف قائد، وكل عالم يُغتال يظهر بعده ألف عقل أكثر تصميمًا وأشد رسوخًا في الفهم والإبداع.

هذه ليست شعارات خطابية، بل حقائق بنيوية لا تُدرك إلا لمن قرأ في خريطة الصراع أن إيران لا تتحرك برد الفعل، بل بالفعل المُحضَّر، ولا تنتظر فرصة لترد، بل تصنع من كل استهداف فرصة لتكشف، وتُربك، وتعيد رسم ميزان القوة.

الذين يسألون عن الرد الإيراني، تارة بسخرية، وتارة بشك، لا يدركون أن الرد لا يُقاس بضجيج الانفجار، بل بأثره. فلتسأل “إسرائيل” عن الصواريخ التي تساقطت عليها من إيران مباشرة، عن فشل القبة الحديدية، وعن قاعدة “عين الأسد” التي زلزلها الرد الباليستي، وعن الطائرات المسيّرة التي وصلت عقر دارها دون أن تُرصد.

هذه ليست ردودًا طارئة، بل رسائل مدروسة تقول إن اليد الإيرانية طويلة، وإن القرار يُتخذ بعقل، ويُنفذ بدقة.

ثم انظروا إلى خوف الكيان من صواريخ غزة، وارتباك جنرالاته من طائرات  وصواريخ اليمن، وهلعه من الجنوب اللبناني، وارتباكه أمام العمليات التي تنفذ من  العراق. ليست هذه فصائل متفرقة، بل محور واحد، ويد واحدة، وبصمة واحدة…

إيران التي يزعم الأعداء أنهم حاصروها، هي من تمدّ بالمعرفة، وتبني العقول، وتنقل الأسرار الكبرى في التصنيع والتطوير والتكتيك العسكري، حتى أصبحت المقاومة في المنطقة كلها تتحرك بتقنيات لا يُفسّرها العدو إلا بكلمة واحدة: هذا نتاج مدرسة الثورة.

وإن كانت بعض العقول تتساءل: لماذا يخشى الكيان وإدارة البيت الأبيض من امتلاك إيران للسلاح النووي بينما هناك دول أخرى تملكه؟ فإن الجواب لا يتطلّب كثير تأمل: لأن إيران وحدها لا تُدار من الخارج، ولا تُطوّع قرارها لإرضاء القوى الكبرى، ولأنهم يدركون أن إيران حين تملك هذا السلاح، فإنها لن تُهدّد به خصومها فقط، بل ستكسر بذلك احتكار القوة، وتمنح الأمة توازن الردع، وتُعيد تعريف مفهوم الحماية والسيادة في هذه الأمة التي أُرهقت طويلاً بضعف الموقف وهشاشة القرار.

إيران لا تسعى إلى النووي لتستعرضه، بل لتجعل من امتلاكه سقفًا يحمي سيادتها، ويمنع أي تفكير في عدوان واسع النطاق، ويؤمن ظهر المقاومة في كل مكان. إنها تعرف أنها لا تخوض معركة إيران وحدها، بل معركة كل مستضعف، وكل مشروع يريد التحرر من قبضة الهيمنة الدولية.

ولهذا، فإن على السذج أن يراجعوا فهمهم. إيران ليست دولة عادية، ولا تفكر كغيرها، ولا تتعامل مع الخصوم بسطحية. رؤيتها بعيدة، وهدفها واضح، وحركتها منضبطة، ونَفَسها طويل. ليست دولة تبحث عن شهرة أو مجدٍ آنٍ، بل أمة تُبنى وفق رؤية ربانية تعتبر التمهيد لحضور العدل الإلهي جزءًا من واجبها التاريخي.

الذين يُقللون من شأن إيران، لا يُدركون أنهم لا يتحدثون عن قوة عسكرية فقط، بل عن منظومة متكاملة من الفكر والعقيدة والقيادة والشعب. إيران دولة تعرف أنها على طريق الحق، وتدرك أن الطريق طويل، لكنها لم تُخلق لتتراجع، ولا لتُخدع، ولا لتنحني تحت سيف العقوبات أو التهديدات.

ومن يظن أن القادم سيكون كسابقه، فهو لم يتعلم من التاريخ. الأيام القادمة ليست اختبارًا لإيران، بل اختبار لحقيقة وعي الأمة، لحقيقة مواقفها، لقدرتها على التمييز بين من يقاتل فعلاً من أجل الأمة، ومن يبيعها باسم الواقعية والحياد.

وإن غدًا لناظره قريب، وستتكلم الميادين، وستشهد الأيام أن إيران لم تكن طارئة على الصراع، بل كانت مركزه، ولم تكن عابرة في الحسابات، بل كانت المعادلة التي حيّرت الجميع، وغيّرت كل قواعد اللعبة.

وإلى الله عاقبة الأمور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار