العراق في مرمى ‘الفوضى المدارة’: تحليل استراتيجي لانتقال النفوذ الإقليمي ودور الأجندات الخفية
إعداد الكاتب والباحث/عدنان صگر الخليفه
13/يونيو/2025
المقدمة
لطالما مثّل الشرق الأوسط، على مدى عقود طويلة، ساحة خصبة لتشابك المصالح الدولية والإقليمية، مما أفرز ديناميكيات معقدة تجاوزت في كثير من الأحيان حدود الصراعات التقليدية. فبينما تشير الخطابات الرسمية إلى وجود عداء مستحكم بين أطراف رئيسية، تُظهر الأحداث المتوالية نمطًا يوحي بوجود “فوضى مُدارة”؛ استراتيجية تُشكلها قوى فاعلة لتحقيق أجندات استراتيجية أوسع. يتعمق هذا البحث في تحليل هذه الديناميكيات الخفية، مع التركيز على الكيفية التي أدت بها هذه الأجندات إلى تحولات جذرية في موازين القوى، وجعلت من العراق محورًا رئيسيًا لهذه اللعبة المعقدة. فالعراق، الذي بات الساحة الوحيدة للفوضى غير المدارة بعد احتواء أو إدارة الاضطرابات في مناطق أخرى كـلبنان وسوريا واليمن، يُنظر إليه على أنه المفتاح الحاسم لـخنق النفوذ الإيراني والتحكم فيه.
تكمن إشكالية البحث في محاولة فهم الأسباب الكامنة وراء استمرار حالة الاضطراب في مناطق معينة من الشرق الأوسط، وتحديد الآليات المستخدمة لتوظيف هذا الاضطراب في خدمة مصالح قوى إقليمية ودولية. على وجه التحديد، يسعى البحث إلى تفسير كيف أن الأجندات الظاهرة قد تخفي خلفها توافقًا للمصالح يفضي إلى نتائج غير متوقعة على الساحة الجيوسياسية، حيث تصبح بعض القوى أدوات غير مقصودة في تحقيق أهداف قوى أخرى، وصولاً إلى مرحلة استحواذ نفوذ جديد بدعم كامل، وحتى عسكري.
يهدف هذا البحث إلى تحديد طبيعة “الفوضى المدارة” وكيف تمثل استراتيجية للتحكم في المشهد الإقليمي. كما يسعى لتحليل دور قطر بوصفها “جسرًا” محوريًا يمكنه التوفيق بين أطراف تبدو متناقضة، مثل إيران وإسرائيل، وكيف يخدم هذا الدور أجندات أوسع. كذلك، سيكشف البحث عن الآليات التي تسهم بها الفصائل الراديكالية في خدمة مصالح القوى الكبرى، رغم تباين أيديولوجياتها. ومن ضمن أهدافه أيضاً، استكشاف فرضية انتقال النفوذ الإيراني إلى نفوذ إسرائيلي في مناطق حيوية، ودور “الحجة الإسرائيلية” في تبرير هذا التحول وضرورة استئصاله، بما في ذلك الدعم العسكري الكامل المقدم لإسرائيل في هذه المهمة، والذي تجلى بوضوح في الحرب الأخيرة على لبنان وما أسفرت عنه من استنزاف شبه كامل لحزب الله. يولي البحث اهتمامًا خاصًا لبيان الأسباب التي جعلت من العراق هدفًا أساسيًا وساحة رئيسية لهذه الديناميكيات المعقدة، كونه مفتاح خنق النفوذ الإيراني. ولا يتوقف البحث عند هذا الحد، بل يحلل دور الأحداث الغامضة، مثل مقتل قيادات بارزة كإسماعيل هنية وحوادث استثنائية كسقوط طائرة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، في تسريع إكمال هذه الأجندة من خلال إزالة العقبات وتغيير موازين القوى الداخلية في إيران. كما سيوضح كيفية إفصاح تصريحات دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الحالي، عن تقسيم الأدوار والدعم الصريح للجهود الإسرائيلية في هذا السياق، مشيرًا إلى قوله: “إننا لا نريد ضرب إيران بل نريد المفاوضات، ولكننا لا نستطيع منع إسرائيل من ذلك”، ويحدد كيف أن الضربات الإسرائيلية المحدودة والرسائل الموجهة تُحاكي عملياتها ضد حزب الله في لبنان، بهدف إتمام الأجندة العراقية.
ولتحقيق هذه الأهداف، سيعتمد البحث على المنهج التحليلي الوصفي، مستندًا إلى تحليل معمق للمعلومات المتاحة من تقارير مراكز الأبحاث الموثوقة، والتحليلات الاستراتيجية للخبراء، وتصريحات المسؤولين السياسيين، والمقالات الصحفية المتعمقة، وذلك بهدف ربط الأحداث بعضها ببعض وتفسير الأبعاد الخفية للظواهر الجيوسياسية. ينقسم هذا البحث إلى عدة فصول تسعى إلى تفكيك هذه الإشكالية المعقدة، بدءًا من الإطار النظري للفوضى المدارة، مرورًا بتحليل أدوار اللاعبين الرئيسيين والتحولات في النفوذ، وصولًا إلى تحديد العراق بوصفه ساحة محورية لتلك الأجندات، وانتهاءً بخاتمة تُقدم أبرز النتائج والتوصيات.
الفصل الأول: مفهوم “الفوضى المدارة” وتطبيقاتها في الشرق الأوسط
يشكل مفهوم “الفوضى المدارة” حجر الزاوية في فهم الديناميكيات المعقدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. هذا المفهوم لا يعني الفوضى العشوائية المطلقة، بل يشير إلى استراتيجية جيوسياسية تُستخدم للحفاظ على حالة من الاضطراب يمكن توجيهها والتحكم بها، بهدف تحقيق مصالح استراتيجية لقوى معينة دون الحاجة بالضرورة إلى تدخل عسكري مباشر وشامل. فمن خلال إبقاء الدول والمجتمعات في حالة من عدم الاستقرار المنظم، تُمكّن هذه الاستراتيجية القوى المهيمنة من منع صعود قوى مستقلة أو متحدة، وإدامة الصراعات البينية التي تضعف الدول المركزية وتُشتت انتباهها عن التحديات الخارجية.
لقد شهدت المنطقة تطبيقات عديدة لهذا المفهوم في السنوات الأخيرة. ففي لبنان، على سبيل المثال، تمكنت أطراف مثل حزب الله، بدعم من إيران، من فرض نوع من “الاستقرار المدار”. هذا الاستقرار، رغم كونه هشًا، خدم مصالح معينة ومنع الانهيار الكامل للدولة اللبنانية، مع الحفاظ على نفوذ اللاعبين الرئيسيين في الوقت نفسه. إلا أن الأحداث الأخيرة، التي شهدت حربًا إسرائيلية قوية واجتياحًا أدى إلى مقتل قيادات بارزة في حزب الله وإنهاء شبه كامل لقدراته العسكرية والبنية التحتية، تُظهر بوضوح كيف يمكن أن تتحول “الفوضى المدارة” إلى عملية استئصال منهجية، وتبرز هذا كنموذج لما يمكن أن تشهده مناطق أخرى. وفي سوريا، وبعد سنوات من الصراع المدمر، تُظهر التطورات الأخيرة، التي أدت إلى سقوط نظام الأسد وتولي أحمد الشرع الرئاسة الانتقالية، كيف يمكن تفسير هذا التحول الجذري كجزء من عملية “إدارة فوضى” أوسع. هذه العملية لم تكن بالضرورة تهدف إلى القضاء على الصراع، بل إلى إعادة توجيهه نحو تغيير شامل يضعف المحور الإيراني ويُفسح المجال أمام ترتيبات جديدة تخدم أجندات أخرى. أما في اليمن، فعلى الرغم من الحرب المستمرة، يبدو أن الصراع قد وصل إلى مرحلة من التحييد أو تجميد الخطوط، مما جعله أكثر “قابلية للإدارة” من منظور القوى الخارجية.
على النقيض من هذه الساحات، ظل العراق هو الاستثناء البارز. ففوضاه لم تُدار بالكامل، وبقيت فيه فصائل مسلحة خارجة عن السيطرة، مما جعله الهدف الأبرز لعملية “إعادة الضبط” القادمة ضمن استراتيجية “الفوضى المدارة”. يشير هذا الوضع إلى أن القوى الفاعلة تسعى الآن إلى تطبيق نفس منهج “الإدارة” على العراق، ليصبح ضمن الساحات التي تم احتواء اضطراباتها بشكل يخدم الأجندات الاستراتيجية للقوى الكبرى، خصوصًا في سياق الحاجة الإسرائيلية لاستئصال النفوذ الإيراني الذي تراه تهديدًا مباشرًا لأمنها ومصالحها، على غرار ما حدث لحزب الله في لبنان.
الفصل الثاني: دور قطر بوصفها “جسرًا” في ديناميكيات النفوذ
تُمثل قطر نموذجًا فريدًا في المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط، حيث تلعب دور “الجسر” أو الوسيط الفعال بين أطراف تبدو متناقضة تمامًا. فعلى الرغم من حجمها الجغرافي الصغير، تتمتع قطر بنفوذ دبلوماسي كبير، مدعوم بقوتها المالية واستراتيجيتها القائمة على بناء علاقات مع جميع الأطراف. يُمكن هذا الدور قطر من إدارة شبكة معقدة من العلاقات، وهي شبكة تُعد ضرورية لتنفيذ استراتيجية “الفوضى المدارة” في المنطقة.
تُظهر العلاقة بين قطر وإيران وجود مصالح مشتركة، خاصة في مجال الغاز الطبيعي، مما يُبقي قنوات الحوار مفتوحة بينهما. في المقابل، تُقيم قطر أيضًا قنوات اتصال غير مباشرة مع إسرائيل، وتُمارس دورًا وسيطًا حاسمًا في قضايا إقليمية، أبرزها العلاقة مع حركة حماس. يعزز هذا الدور القطري من مكانتها بوصفها وسيطًا أساسيًا لا يمكن الاستغناء عنه في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية، لا سيما تلك التي تستهدف احتواء أو استئصال نفوذ إيران، حيث يمكن لقطر أن تُسهّل الاتصالات اللازمة لإدارة الأزمات أو تنفيذ أجندات معينة. أما بالنسبة لـالفصائل الراديكالية، فإن دعم قطر لبعض هذه الحركات، مثل حماس، لا يُنظر إليه بالضرورة على أنه دعم مطلق لأيديولوجياتها، بل قد يُفسر كجزء من استراتيجية أكبر تُمكن أطرافًا أخرى (بما في ذلك إسرائيل) من “إدارة” هذه الحركات بدلًا من القضاء عليها كليًا. فوجود قناة خلفية مع هذه الحركات يُمكن من التحكم في سلوكها وتوجيهها بطريقة تخدم مصالح أوسع، بدلًا من تركها تتصرف بشكل عشوائي أو خارج عن السيطرة، بما يخدم في النهاية “الحجة الإسرائيلية” لضرورة التعامل مع هذه الكيانات، وربما استنزافها كما حدث مع حزب الله.
إن قدرة قطر على التوفيق بين المصالح المتناقضة الظاهرة، ودعمها لبعض الحركات التي تُعد راديكالية، يجعلها جزءًا لا يتجزأ من آلية “الفوضى المدارة”. فمن خلال دورها كوسيط، تساهم قطر في الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة، وتُمكّن من التفاوض على حدود معينة للصراعات، مما يسهم في إدارة هذه الصراعات بدلًا من إنهائها بشكل كامل. يخدم هذا الدور المعقد مصالح القوى الكبرى التي تسعى للهيمنة على المنطقة، من خلال ضمان أن الصراع يظل ضمن حدود يمكن التحكم بها، مع تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى، والتي تشمل بشكل أساسي إضعاف النفوذ الإيراني وفتح الطريق أمام نفوذ بديل.
الفصل الثالث: “الحجة الإسرائيلية” واستراتيجية استئصال النفوذ الإيراني
لقد أدى بناء النفوذ الإيراني في المنطقة، عبر دعم الفصائل والمليشيات في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن على مدى عقود، إلى تشكيل محور إقليمي قوي. إلا أن هذا النفوذ لم يكن مجرد توسع عشوائي، بل تم توظيفه بفاعلية كـ*”حجة إسرائيلية”* لضرورة التدخل واستئصال هذا النفوذ. فقد جرى تصوير الوجود الإيراني، بكافة أشكاله، دولياً كـ”تهديد” رئيسي للاستقرار الإقليمي وأمن إسرائيل، مما خلق مبرراً قوياً للعمليات العسكرية والتحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة.
تشير الأحداث الأخيرة إلى انتقال ملموس في هذا النفوذ، مدفوعاً بهذه “الحجة”. ففي لبنان، تعرض حزب الله في الأشهر الأخيرة لحرب قوية واجتياح إسرائيلي أدى إلى مقتل قياداته وإنهاء شبه كامل لقدراته العسكرية والبنية التحتية، وهو ما يُعد مثالًا ساطعًا على استراتيجية الاستئصال هذه. هذا النمط من العمليات، الذي أضعف بشكل كبير أحد أذرع إيران الرئيسية، يُسلط الضوء على تراجع قدرة إيران على السيطرة الكاملة على وكلائها، لا سيما في العراق، حيث بدأت بعض الفصائل تُظهر استقلالية نسبية. الأكثر دلالة على هذا الانتقال هو سلسلة من تصفيات القيادات التي شهدتها المنطقة. فمقتل إسماعيل هنية في طهران، على سبيل المثال، وما أحاط به من غموض، يمكن أن يُفسر كجزء من عملية إزالة قيادات تُعتبر عقبة أمام الأجندة الإسرائيلية، أو لم تعد تخدم المصالح الجيوسياسية الجديدة. ولا يقتصر ذلك على قيادات الفصائل، بل يمتد إلى داخل إيران نفسها. فحادث سقوط طائرة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته، والنقاط التي أُثيرت حوله مثل وجود طائرات مرافقة وإصرار وزير الخارجية على الصعود، يمكن أن تُفسر على أنها حادثة ليست عرضية، بل قد تكون جزءاً من خطة لإضعاف التيار المتشدد في إيران وإحداث تغيير في التوازنات الداخلية للسلطة (بين الرئاسة والمرشد الأعلى)، لإفساح المجال لقيادات أكثر قابلية للتعامل مع المجتمع الدولي أو تُقدم تنازلات تُسهّل الأجندة الإسرائيلية.
إضافة إلى ذلك، فإن سقوط نظام الأسد في سوريا، الذي كان حليفًا استراتيجيًا وثابتًا لإيران، يُمثل خسارة استراتيجية كبرى تُضعف المحور الإيراني وتُمهد الطريق لقوى أخرى. في ظل هذه التحولات، تتولى إسرائيل بشكل متزايد مهمة “استئصال” و”الاستحواذ” على هذا النفوذ المتراجع (أو ما تبقى منه)، وذلك ليس بمعزل عن الدعم الدولي. فثمَّة دعم عسكري كامل لإسرائيل من قوى دولية، وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الحالي. وقد كشفت تصريحات ترامب بوضوح عن هذا التقسيم في الأدوار، حيث صرح قائلًا: “إننا لا نريد ضرب إيران بل نريد المفاوضات، ولكننا لا نستطيع منع إسرائيل من ذلك”، مما يُعطي إسرائيل ضوءًا أخضر واسعًا لتنفيذ عملياتها لإنهاء النفوذ الإيراني. يؤكد هذا أن النفوذ الإيراني كان بمثابة حجة قوية ومحرك أساسي سمح لعملية واسعة النطاق من التغيير الجيوسياسي بأن تُنفذ تحت غطاء “مواجهة التهديد الإيراني”، لتمكين إسرائيل من تحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة.
الفصل الرابع: العراق: الهدف الأساسي للعبة الكبرى
يشكل العراق حالياً النقطة المحورية والهدف النهائي لكل هذه الديناميكيات الإقليمية المعقدة، فموقعه الجيوسياسي الهام، الذي يُمثّل جسرًا بريًا رئيسيًا لإيران نحو سوريا ولبنان، وثرواته النفطية الهائلة، يجعله مفتاحًا استراتيجيًا لا غنى عنه لأي قوة تسعى للهيمنة على المنطقة. على عكس لبنان وسوريا واليمن، التي شهدت فوضاها نوعًا من “الإدارة” أو “الاحتواء”، ظل العراق ساحةً للفوضى “غير المدارة”. وهذا يعود بشكل أساسي إلى وجود فصائل مسلحة عراقية خرجت عن السيطرة، وتجاوزت أحيانًا توجيهات “الموجهين” الأساسيين، بما في ذلك إيران نفسها. هذه الفوضى غير المنظمة تُشكل تحديًا لجميع اللاعبين، وتدفعهم نحو ضرورة “إعادة ضبط” الوضع في العراق.
إن الهدف من هذه الأجندة الكبرى هو السيطرة على العراق بشكل صحيح من قبل جهة غير إيرانية، أو جهة تساهم بفاعلية في الأجندة الأمريكية لخنق النفوذ الإيراني. هذا لا يعني بالضرورة احتلالًا عسكريًا كاملًا، بل فرض نفوذ سياسي وأمني يعيق بشكل فعال حركة إيران ووكلاءها عبر هذا الممر الحيوي. فمن خلال هذه السيطرة، يمكن للقوى المعنية قطع الدعم اللوجستي والمالي عن الفصائل الموالية لإيران، وعزلها، وإضعاف قدرتها على العمل، أو حتى إجبارها على الانشغال بصراعات داخلية تُشتت انتباهها عن الأجندة الإقليمية الإيرانية. هذا الضغط، النابع من العراق، يمكن أن يشكّل أداة قوية لخنق إيران نفسها.
في سياق هذا الهدف، تُفسر الضربات الإسرائيلية التي تهدد بها إيران أو تُنفذها في المنطقة. هذه الضربات، التي تُوصف بأنها “حقيقية ومحدودة جدًا” وليست حربًا شاملة، لا تستهدف بالضرورة تدمير إيران، بل هي رسائل عملية وموجهة. هذه الرسائل، التي تُحاكي عمليات إسرائيل ضد حزب الله في لبنان (من اغتيالات مستهدفة إلى ضرب بنى تحتية لوجستية أدت إلى إنهاء شبه كامل لقدرات الحزب وقتل قياداته)، تهدف أساسًا إلى توجيه رسالة “إياك أعني واسمعي يا جارة”. هذه “الجارة” هي بالدرجة الأولى الفصائل العراقية التي خرجت عن السيطرة والجهات السياسية التي قد تُعيق الأجندة الجديدة. الهدف من هذه العمليات هو إجبار هذه الفصائل على الانضباط، أو تغيير قياداتها، أو تقليص نفوذها، وبالتالي إكمال الأجندة العراقية بفرض سيطرة جديدة تخدم مصالح القوى المهيمنة وتحقق الهدف الأسمى بخنق النفوذ الإيراني.
الخاتمة
لقد كشف هذا البحث عن الطبيعة المعقدة والمتشابكة للديناميكيات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مؤكداً أن الأحداث التي نراها ليست صدفة أو فوضى عشوائية، بل هي جزء من استراتيجية شاملة ومنظمة تُعرف بـ”الفوضى المدارة”. وقد أظهر البحث كيف أن هذه الاستراتيجية تُستخدم لإعادة تشكيل المنطقة من خلال توظيف الصراعات وإدارة نفوذ القوى الإقليمية.
لقد برز دور قطر بوصفها وسيطًا وجسرًا حيويًا بين الأطراف المتناقضة، مما يمكنها من إدارة الصراعات وخدمة أجندات متعددة بشكل غير مباشر. كما أكد البحث على أن النفوذ الإيراني في المنطقة، والذي بُني على مدى عقود، قد أُتيح له أن يكون بمثابة مرحلة تمهيدية، وأن “الحجة الإسرائيلية” لضرورة استئصال هذا النفوذ سهلت انتقال النفوذ تدريجياً إلى إسرائيل، بدعم عسكري كامل من قوى دولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الحالي، الذي صرح بوضوح بتقسيم الأدوار في هذا الصدد، قائلاً: “إننا لا نريد ضرب إيران بل نريد المفاوضات، ولكننا لا نستطيع منع إسرائيل من ذلك”.
أوضح البحث أن العراق هو الهدف الأساسي والمفتاح الأخير في هذه الاستراتيجية. فباعتباره الساحة الوحيدة المتبقية للفوضى غير المدارة، ولأن السيطرة عليه من قبل جهة غير إيرانية تعني خنق النفوذ الإيراني في المنطقة، أصبح العراق مركز الثقل لهذه الأجندات. إن الأحداث الأخيرة، من تصفية القيادات البارزة مثل إسماعيل هنية، إلى الحادث الغامض الذي أودى بحياة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية القوية على لبنان التي أدت إلى إنهاء شبه كامل لقدرات حزب الله ومقتل قياداته، كلها تُشير إلى خطوات مدروسة تهدف إلى إكمال الأجندة العراقية وفرض سيطرة جديدة. هذه الضربات لا تهدف إلى حرب شاملة، بل إلى إيصال رسالة “إياك أعني واسمعي يا جارة” للفصائل العراقية، بهدف دفعها للانضباط أو تغيير ولائها، بما يخدم المصالح الاستراتيجية للقوى المهيمنة.
يبقى التساؤل حول كيف ستتأثر موازين القوى الداخلية في العراق بعد إتمام هذه الأجندة، وما هو الدور المستقبلي لإيران في المنطقة بعد هذا “الخنق” لنفوذها. كما يُطرح سؤال حول ما إذا كانت هذه العملية ستُفضي إلى استقرار دائم في الشرق الأوسط، أم أنها ستُفضي إلى شكل جديد من أشكال “الفوضى المدارة” الأكثر تحكماً.ش
زر الذهاب إلى الأعلى